الطاقة والمياه تخاصم القانون: انقلاب على النصوص ومصادرة صلاحيات

 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2019-04-08
أما وقد استقرت نتائج جهود اللجنة الوزارية المشكلة لدرس خطة آذار 2019 للكهرباء، على السؤال حول الجهة التي تجري المناقصات: اللجنة الوزارية أم إدارة المناقصات، فقد استوقفتني غرابة هذه النتيجة وغموضها بعد كل الجدال الذي استغرق عدة جلسات لم نعرف ما إذا كان تم التوصل خلالها إلى فك جميع رموز خطة الوزيرة والغازها ونزع ألغامها وكشف قطبها المخفية.

وانطلاقاً من خبرتنا الطويلة في التعامل مع هذا النهج الحاكم لقطاع الطاقة ومؤسساتها، أقله منذ العام 2010، ومما عايشناه من خصومته المزمنة مع القانون ومن احترافه فنون الصياغة الملتبسة لعروضه وإجراء "تصحيح ل لأخطاء المادية المشبوهة" على قرارات مجلس الوزراء، انقلاباً على المتفق عليه وتعطيلاً لتطبيقه بالاتجاه المقصود، ومما اختبرناه من تقنيات وفنون التهرب من تطبيق القوانين،  ومما واجهناه من محاولات لمصادرة صلاحيات الإدارة والاستيلاء على قيادة المؤسسات بغياب مجالس إدارتها الفاعلة. كل ذلك بهدف التحكم بمصير ومستقبل قطاعات ومؤسسات ومرافق حيوية واسعة واعدة بالمشاريع ومضمون لها ولاء ملايين "الزبائن" سلفاً دونما أي عناء، ويقع تلزيم الاستثمار فيها تحت أحكام المادة 89 من الدستور، التي لا تجيز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مصلحة ذات منفعة عامة إلا بموجب قانون والى زمن محدود.
ونظراً لخطورة ما تم استحواذه حتى اليوم من سلطة وسيطرة على مستقبل هذه المرافق،
وفي محاولة للإضاءة على الأبعاد القانونية والمالية لهذه المنطلقات والممارسات وخلفياتها، سوف نتناول بالتحليل والتعليق ما رشح عن اجتماعات اللجنة الوزارية المكلفة تصويب خطة وزيرة الطاقة للكهرباء، من طروحات تتنافى مع موجب الالتزام بالشفافية الذي أعلنت الوزيرة الالتزام به، ولا تأتلف مع الإجماع السياسي الواسع على مكافحة الفساد، وتخالف التوجه نحو اعتماد إدارة المناقصات مرجعاً أساسياً لإجراء التلزيمات، وتثير أكثر من شبهة وتساؤل حول خلفية هذه الطروحات التي تناولتها اللجنة الوزارية بالنقاش أو التحليل، ومنها تولي اللجنة الوزارية إجراء المناقصات المنبثقة عن الخطة،  دون أن يتمكن المعترضون من نقضها وحسم الموقف منها، فأحيلت إلى مجلس الوزراء للبت بها. 
سوف نحاول في ما يلي  الإجابة على بعض هذه التساؤلات من الوجهة القانونية وفي ضوء تجربتنا السابقة مع تنفيذ الخطط وأحكام القوانين ونتائج التلزيمات المنبثقة عنها، بما فيه دور المستشارين وفريق عمل الوزير في وضع دفاتر الشروط وإجراء استدراجات العروض إطلاق المناقصات واختيار الاستشاريين بالتراضي والاستعانة بلجان فنية يختارها وزير الطاقة لتطبيق معادلات، غير مضمونة الحياد، ضمن إطار مهام لجان المناقصات المفترض أنها مستقلة.
بداية، نذكر بأن خطة آذار 2019 تشكل تمديداً لورقة سياسة قطاع الكهرباء التي انطلقت خلال العام 2010 على وعد بتأمين التغذية 24/24، بنهاية العام 2015، وانبثق عنها القانون 181 الذي أجاز بناء معامل بقدرة 700 ميغا، ونص صراحة على أن تجري المناقصة من قبل إدارة المناقصات.  وبنى مجلس الوزراء موافقته عليها  استناداً إلى قانون المحاسبة العمومية، واشترط التقيد في تنفيذها بالقوانين والأنظمة المرعية الإجراء. ونستغرب هذا التكتم والتعتيم على الخطة كما على الدعوة إلى إبقاء مداولات مجلس الوزراء وجداول أعمال جلساته ضمن السرية، وكأنها خطة عسكرية وليست لتأمين الكهرباء.
إن الإصرار على تجاوز إدارة المناقصات في تنفيذ خطة الكهرباء، يثير أكثر من تساؤل، لا سيما حول  الدعوة إلى تكليف لجنة وزارية بإجراء مناقصات لتلزيم أنشاء معامل على طريقة الـ BOT لمدة تتجاوز العشرين سنة، في ضوء الخلافات والمخالفات ودعاوى التحكيم التي ترتبت عن تلزيم معمل دير عمار والذوق والجية والمطالبة بتعويضات بمئات ملايين الدولارات.
إن الموافقة على "الخطة" محاولة للحصول على براءة ذمة عن كل ما ترتب عن تنفيذ خطة الـ 2010 وما تم تنفيذه من بنود خطة صيف 2017 الإنقاذية خلال فترة تصريف الأعمال، انطلاقاً من منصات لا هيكلية مؤسساتية لها ولا صلاحيات قانونية، ولا أنظمة مالية تسمح لها بإجراء مناقصات أو إرساء تلزيمات تندرج تحت أحكام المادة 89 من الدستور أو تقع  ضمن نطاق تطبيق قانون المحاسبة العمومية، أو القانون 462 الذي نص القانون 181/2011 على الالتزام به وبتشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء ، خلال فترة الثلاثة اشهر المعطاة للجنة الوزارية المختصة للنظر بالتعديلات على القانون 462 المذكور.    
إن تجربة مناقصة البواخر التي أطلقت من مكتب الوزير، ومن ثم نقلت ملفاتها إلى مبنى مؤسسة كهرباء لبنان، وتم استدعاء استشاري بالتراضي ليباشر وينهي مهمته قبل عرض مشروع عقده على رقابة ديوان المحاسبة، مثال حي على نهج الاستهتار بالقانون، الذي استعرضنا بعض وجوهه السلبية وخلفياته المثيرة للشكوك، ومنها ما شهدته قرارات مجلس الوزراء بشأنها من تعديلات وتصحيحات وعودة عن التصحيحات، بحيث استقر القرار  على تعديل دفتر الشروط بما يراعي ملاحظات إدارة المناقصات، وانتهى الأمر إلى الإصرار على عدم التقيد بقرار مجلس الوزراء فظل دفتر الشروط مخالفاً لموجب توسيع المنافسة، فأعادته إدارة المناقصات إلى الوزير. وها نحن اليوم أمام محاولة جديدة للعودة إلى البواخر وإنما عن طريق دمج الحل المؤقت بالحل الدائم، وتحت ضغط معادلة أسرع وقت وأقل كلفة، المفصلة مجدداً على قياس البواخر.  
ونورد على سبيل المثال لا الحصر نماذجاً من ممارسات تندرج في إطار الاستهتار والاستئثار:
تضمين الخطة مبلغ 200 مليون دولار لاستملاكات بجوار استملاكات قديمة ومن ثم العودة إلى 30 مليون دولار، على أنها تصحيح لـ "خطأ مادي"؟
إجراء "تصحيح" على قرار مجلس الوزراء رقم 84 تاريخ 21/5/2018، بالموافقة على تحويل تلزيم دير عمار من EPC إلى PPA، أدى إلى شطب عبارة العودة إلى مجلس الوزراء. هذا فضلاً عن استبدال صيغة الـ BOT  خلافاً لما ورد ذكره في كتاب وزير الطاقة والمياه رقم 5995 تاريخ 18/5/2018.
وعلى أمل أن يلدغ المؤمنون من المعنيين بإقرار الخطة من جحرها المفتوح على الإصلاح والتغيير،
ننصح بالسؤال عن التعويضات التي سوف يحصل عليها المتعهد الأصيل الذي علق دعواه التحكيمية بانتظار التفاوض، وعن نتائج المفاوضات التي استغرقت حتى اليوم أكثر من عشرة أشهر دون الإعلان عنها، في وقت يتذرعون فيه بالحاجة إلى اختصار الإجراءات والمهل تهرباً من دور إدارة المناقصات في إجراء التلزيمات المنبثقة عن الخطة. والسؤال عن مبرر الفرق بين سعر التحويل من خلال المعمل المحدد بـ 2،95 سنت للكيلوات – ساعة وسعر التحويل من خلال البواخر المحدد في العقد الأساسي بـ 5،85 سنت وتم تخفيضه عند التمديد إلى 4،95 سنت.
هو غيض من فيض لا يتسع له مقال واحد، فإلى اللقاء