مباشر

عاجل

راديو اينوما

بين محاربة الراديكالية وإعادة إنتاجها

24-08-2022

آفــاق

الدكتورة ميرنا داوود

أستاذة جامعية وكاتبة

متطرف حتى لو كنتَ ليبرالياً.


يعتبر التطرف والفساد من أشد الأمراض الاجتماعية والسياسية خطورة على المواطنة والمجتمع على حد سواء. وعندما تزداد هذه المظاهر في مجتمع من المجتمعات تقوم شريحة النخبة عادة بالاضطلاع بمهمة التغيير والتنوير والانعتاق من سيطرة القيم السالفة. و يفترض أن تسهم هذه الفئة في خلق اتجاهات فكرية تسهل مهمة التنوير ومحاربة المنظومات التقليدية وذلك للتأسيس لبنية أكثر انفتاحا وعقلانية. لكن ما يحدث عادة ,وهنا تكمن المشكلة, هو أن تلك الاتجاهات الجديدة التي شنت حرباً لا هوادة فيها على المنظومات التقليدية لا تلبث أن تتحول هي ذاتها الى أداة قمعية استبدادية تفرض شكلاً أحادياً في الفكر والممارسة فما تلبث أن تتحول بدورها الى معضلة جديدة تضاف الى منظومة المعضلات المجتمعية التي تبحث عن حل. ويعاد انتاج الأيديولوجيات التقليدية وتقديسها وبالتالي يتم خلق حالة من الخيبة والاحباط, اذ ما الفائدة من الجهود المبذولة للتغيير والتنوير ان كان الجديد سيصبح تقليدياً والقديم سيحضر في الجديد فارضاً نفسه على حوامل المجتمع والسياسة والاقتصاد؟! وبنظرة تاريخية سريعة على المجتمعات البشرية نجد بأنها زاخرة بهذه النماذج والأمثلة التي تبرهن صحة هذا التحول المتمثل في إعادة إنتاج القديم البالي. ولونظرنا اليوم إلى مجتمعاتنا المتهالكة لوجدنا أن هناك العديد من الاتجاهات التي ظهرت معلنة ليبراليتها واستعدادها للقضاء على المنظومات الراديكالية والايديولوجيات العقيمة الفاسدة التي لم تنتج الا التخلف والتقوقع. فضلاً عن ذلك فان تلك المحاولات وقعت في مطب ثنائي الأبعاد, البعد الأول يتجسد بأنها عجزت أولاً عن تقديم بديل قادر على سد الفراغ الفكري والسياسي فلابد أن يعقب الهدم بناء والا أصبح الضياع هو القانون المسيطر أو تم ملء الفراغ بما هو أخطر في تكوينه وأهدافه على المجتمع من البنى البائدة ذاتها, وأما البعد الثاني فهو اعادة انتاج الأحادية والتعصب عن طريق تكريس الثقافة الاقصائية, فالتغني بالشعارات الفضفاضة فقط لانها مختلفة ليس فعلاً تنويرياً حتى كان صاحب هذا الاتجاه يرفع شعار الليبرالية, وبهذا تكون الحالة الجديد قد فرغت من محتواها التنويري التغييري لافتقادها للمنهج المناسب. ويتحول مع الوقت الليبرالي الذي يريد فرض ليبراليته بالقوة رافضاً كل الاتجاهات الأخرى إلى طاغية لا يختلف عن ذاك الذي يسيطر على تفكيره أحادية نفقية يرى فيها الحقيقة حقيقته هو رافضاً كل الاحتمالات والممكنات الأخرى . الاثنان متساويان من حيث ان المنهجية واحدة وهي التكفير و الإقصاء. أعود وأشدد على أهمية الفراغ الفكري في المجتمع والدولة وما له من خطورة وما ينطوي عليه من نتائج قد تكون كارثية فالفراغ كلمة مجازية اذا أنه عملياً غير موجود فهالواء يبدو لنا فراغاً لكنه مليء بالغازات المتنوعة التي لا نراها ومنها السامة, والتركيبة الذهنية كذلك الأمر لا يمكن أن يسكنها الخواء وانما تملؤها أيديولوجيات مختلفة قد تتراوح من أقصى اليمين الى أقصى اليسار ولذلك كان لزاماً على الطبقة التي تسمي نفسها بالنخبة المتنورة أن تأخذ على عاتقها مسؤولية التنوير وأن لا تترك المكان للايديولوجات السامة وتسارع فتملأ الفراغ بما يتناسب و عملية اعادة البناء التي غدت ضرورة واجبة.
التعددية الفكرية هي المؤشر الاول على سلامة الدول والمجتمعات فسيطرة اللون الواحد دليل الفشل المحقق أو الوشيك وتثبت التجارب التاريخية المتعاقبة للمجتمعات البشرية بدءاً من الاسرة وصولاً إلى المجتمع المدني أن التعددية مطلوبة لإنجاح العملية الاجتماعية والسياسية وكذلك الاقتصادية وأن الفشل الذريع هو النتيجة المحتمة لاعادة التطرف بمختلف أشكاله وأنماطه.

(د.ميرنا داود، استاذة محاضرة في جامعة كاليفورنيا وكاتبة) .

This website is powered by NewsYa, a News and Media
Publishing Solution By OSITCOM

Copyrights © 2023 All Rights Reserved.