إدارة تلفزيون لبنان كادت تُقلِع لولا تمنّي "جهة عليا"

كان وزير الإعلام زياد مكاري قاب قوسين أو أدنى، في الجلسة الأخيرة للحكومة بعد الانتخابات، من إمرار تعيينات مجلس إدارة تلفزيون لبنان التي اكتملت بكل أعضائها، لولا أنّ تمنياً جاءه من «جهة عليا»، طلبت منه صرف النظر عن الأمر، في هذا الوقت بالذات، حتى لا يُفَسّر التعيين لدى بعض الإعلام والأطراف السياسية، على أنّه «تهريبة» في آخر جلسة حكومية، قبل تحول الحكومة حكومة تصريف أعمال!
نزل مكاري عند رغبة «الجهة العليا»، فعاد موضوع التلفزيون الى نقطة البداية - الفراغ، وعادت المعاناة لدى الموظفين والعاملين في التلفزيون الرسمي..المعاناة التي دفعَت نقابة العاملين في المؤسسة إلى الإضراب يوماً واحداً تحذيرياً، سرعان ما نشطت الاتصالات لكبحه، ونجحت في إعادة البث والبرامج إلى الشاشة.

 

لقد أخطأ مكاري في النزول عند رغبة الجهة العليا، لأسباب عدة:

ـ أولاً، اجتهد مكاري منذ وصوله المتأخّر الى وزارة الاعلام، من أجل إخراج تلفزيون لبنان من شرنقة الضياع الإداري والبرامجي، فأجرى اتصالات حثيثة مع القيادات السياسية التي تسمّي عادة «ممثلي الطوائف» في أي مجلس إدارة في الدولة، وتمكّن من تحديد أسماء أعضاء المجلس، متفادياً المماحكات التي جرت سابقاً عبر ترشيحات «مفتوحة» لم تصل الى تشكيل المجلس بسبب ضغط العامل السياسي الحزبي الضيّق.. وعائداً الى التقليد المتّبع في هذه الحالات، طالما أنّ لا آلية غير هذه الآلية في البلد.

 

- ثانياً، الخوف الذي أبدته الجهة العليا، بعد اكتمال أسماء الأعضاء المتمتعين بالكفاية المتميزة كما تقول سُمعة بعضهم، وقد عرفنا غالبيتهم، هو خوف ليس مبرّراً مطلقاً، وكان ينبغي أن يقاومه مكاري.. ذلك أنّ ردّ الفعل على أي تعيينات إدارية في لبنان لا تخضع لمنطق دراسة الأسماء بدقّة وعناية، بل لأي جهة سياسية ينتمي هذا أو ذاك من المعَيّنين، وعلى هذا القياس يُرحَّب بهم أو يهاجَمون..من دون النظر إلى مؤهّلاتهم، لا بل تتعرّض مؤهّلاتهم أحياناً للتشكيك والتبخيس، لا لشيء إلّا خضوعاً للمزاج، فضلاً عن أنّ التأخير الطويل لأكثر من 6 سنوات، في إنجاز تعيين مجلس إدارة التلفزيون الوطني، سيدفع غالبية المعلّقين على الموضوع إلى التنمّر، حتى ولو كان بين الأعضاء مدير cnn ومدير cbc، وأي راسخ في علوم التلفزيون. من هنا نقول، انّ مكاري كان ينبغي أن «يصمد» ويتمنّى هو على الجهة العليا الموافقة على مقترَحه، وقد كانَ استمزج رأي الجهة العليا نفسها في اختيار أسماء بعض أعضاء المجلس، وعُمِل بالرأي ..

أما بعد استقالة الحكومة، فتلفزيون لبنان الذي أمِل خيراً قبل أسبوعين من رحيلها، عاد الى اليأس القاتل، وربما يصبح الإضرابُ السلاحَ الوحيد لدى العاملين فيه في المرحلة المقبلة.

لكن، في الكلام على تشكيل الحكومة الجديدة، والاحتمالات المطروحة لها، ومسعى بعض القوى السياسية لعدم خوض معركة تسمية رئيس حكومة جديد، وتشكيلة وزارية جديدة، فيعبر الوقت المحدود لها (5 أشهر) في حلقة مفرغة، يأمل بعض موظفي تلفزيون لبنان أن تستمر حكومة ميقاتي مع بعض التعديلات فيها كما يُقال، ومكاري من الباقين في حال بقاء الحكومة، فيصبح تقديم مشروع تعيين مجلس إدارة تلفزيون لبنان الى جلسة حكومية أمراً مفروغاً منه..

فهل كُتِب على التلفزيون الأم ان يكون فعلاً كالأم تتلقّى المعاناة ولا تصرخ!

تبقى كلمة أساسية تُقال لمكاري، إذا بقي في وزارته، هي وجوب رفض أي ربط بين تعيين مجلس إدارة تلفزيون لبنان، وأي تعيينات أخرى.. ففي السنوات السابقة كانت تعيينات التلفزيون معلّقة ومضروبة بمشاحنات تافهة، يريد أطرافها تثبيت اقتناعاتهم السياسية بإخضاع التلفزيون الرسمي لحساباتهم ومحسوباتهم بلا أي تفكير جدّي في المؤسسة المتهالكة.. وقد قُيّض لمكاري أن لا يتوقف أمام ذلك، ويُنجز تعييناته التلفزيونية المدروسة.. فلا يجوز بعد ذلك ربطُ هذا المرفق، بأي مرفق او مؤسسة أخرى هناك خلافات عميقة في شأن تشكيلتها الإدارية.. وهذه مهمّة مكاري المفتَرض ان يتصدّى، لأي محاولة تأجيل أو تسويف أو دمج هذا الموضوع بمواضيع لا علاقة للتلفزيون بها من قريب او بعيد.

 

أي ينبغي إخراج التلفزيون الرسمي من «سلّة» التعيينات الأكبر والأوسع، طالما أنّ مسألته الإدارية حلّها الوزير بالتي هي أحسن.. ولم يعد ينقصها إلّا توقيع مجلس الوزراء. وهنا تحدّي مكاري أمام نفسه وأمام الجمهور الذي سمعه يقول مرات، إنّه سينهي أزمة تلفزيون لبنان، وسيكون راعياً مباشراً لنهضة إدارية وبرامجية فيه.