القرى المسيحية في "بنت جبيل": معركة سياسية بروح أهليّة

الأحد 15 أيّار 2022، إنه اليوم الذي يكتبه اللبنانيون بإرادتهم الشخصية والمباشرة في سجلّات تاريخهم، في رحلة «تقرير المصير»، يحاسبون من كان السبب في إرسالهم إلى مجاهل الجحيم، آملين بـ»صوتهم» أن يستردّهم من «سفر برلك» الدولة العليّة، التي تخطّت في «إبداعات» حكمها وقهر شعوبها تظلّم الإحتلالات التي مرّت عليهم، أو يدينون أنفسهم، بإعادة انتخاب جلاّديهم. إنّها معركة كلّ لبنان، غير أن للقرى المسيحية الحدودية في قضاء بنت جبيل، حيث يتركّز وجودها في رميش وعين إبل ودبل والقوزح، ويبلغ عدد ناخبيها قرابة الـ 15 ألف صوت، حسابات مختلفة عن غيرها من الدوائر والأقضية اللبنانية، تمتزج  بين تصويت «بنكهة التبغ» رغم معاناة المزارعين بعد أن فقدت «شتلة البقاء» من قيمتها، مع مراعاة المحيط الأكبر وشعارات «العيش المشترك» بانتخاب الثنائي الشيعي المدعومة من حليفهما  «التيار الوطني الحرّ» في لائحة «الوفاء والأمل» من جهة، وبين المؤمنين بإمكانية التغيير وعدم «كتم الصوت» وكسره بالإقتراع  للائحة المعارضة «معاً نحو التغيير» من جهة أخرى، وبين طرف ثالث، أعلن مقاطعته لمواقف سياسية لا تتلاقى مع طرفي المعركة الإنتخابية.

معركة سياسية بروح أهليّة

مع فتح مراكز الإقتراع عند الساعة السابعة صباحاً، كانت الحركة الإنتخابية حتى بعد الظهر أقل من عادية، لم تتخطّ الـ 15%، حيث انتخب في رميش 900 صوت من أصل 6074، وعين إبل 720 من أصل 4930، ودبل 563 من أصل 3020، والقوزح 148 من أصل 842 مقترعاً...، في أجواء طبيعية وهادئة جدّاً، حيث لم تسجلّ أي مخالفات أو إشكالات تذكر، مع وجود طفيف للمظاهر الحزبية.

يقول رئيس بلدية دبل إيلي لوقا، لـ»نداء الوطن»، إن «الطابع العائلي والأهلي يطغى على الذهنية الحزبية في القرى والبلدات المسيحية، رغم تعدّدية الإنتماءات والمواقف السياسية المؤيدة للمعارضة والسلطة، في لوحة مصغرّة عن الواقع اللبناني، ما يشكل نموذجاً يحتذى به في الديمقراطية وقبول الرأي الآخر، حتى في الإنتخابات البلدية التي تكون أكثر حماسة، يتعاطى فيها المواطنون مع بعضهم البعض بروح الإلفة والمحبة». 

وعن تدنّي نسب الإقتراع في قرى بنت جبيل المسيحيّة، تشير ج. العلم، من رميش، إلى أن معظم اللوائح لا تعبّر عن هواجسنا ومطالبنا، فنحن «صوت ضائع» في محيطنا الأكبر، وأن المعرفة المسبقة عند المواطنين بحسم المعركة لصالح «الثنائي»، يحدّ من اهتمام الناس للمشاركة في المعركة الإنتخابية على عكس الإنتخابات المحلية البلدية.

من جهته، يقول النّاشط نديم هاشم من دبل، إن عدم وجود مقعد مسيحي في قضاء بنت جبيل، الذي يبلغ عدد المقترعين المسيحيين فيه نحو الـ 20 ألف صوت، يجعل نسب الإقتراع متدنيّة وعدم شعور الجزء الأكبر من المواطنيين المسيحيين بأهمية صوتهم وقدرتهم على التغيير، إضافة إلى قانون الإنتخاب الحالي الذي لا يؤمن عدالة وصحة التمثيل. رغم ذلك، يدعو هاشم الجميع إلى المشاركة في الإنتخابات والإدلاء بصوتهم لصالح قوى التغيير والمعارضة. 

في المقلب الآخر، يقول ج. صعب من القوزح، إننا «لسنا في كسروان والمتن، وأن المعارك السياسية، التي تتخطى قدرة لبنان على معالجتها، لا تفيدنا كقرى مسيحية في الجنوب، ولن نكون «ببوز المدفع»، فنحن على علاقة جيدة مع القوى الحزبية (في إشارة إلى الثنائي الشيعي)، وأن أصواتنا هي لتثبيت العيش المشترك والحفاظ على حسن الجيرة والإبتعاد عن المسائل الخلافية.


تأرجح الصوت السيادي بين المقاطعة والمشاركة

يشدّد الناشط بيار الحصروني من عين إبل على «أن صوتنا يجب أن يكون صارخاً، ونحن اخترنا المواجهة، في دائرة الجنوب الثالثة، بوجه «الثنائي» لصالح لائحة «معاً نحو التغيير» وأن صوتنا التفضيلي هو للمرشّح علي مراد، وأننا قادرون على بناء بلد يمكننا أن نختلف فيه بطريقة ديمقراطية». 

واعتبر حصروني أن المقاطعة التي دعا إليها حزب «القوات اللبنانية» لا تفيد، خصوصاً أن القوى المسيحية لم تقاطع في كل لبنان، فلماذا علينا حجب صوتنا المسيحي الحرّ المؤمن بسيادة لبنان وحصرية السلاح ومكافحة الفساد، وترك الساحة للائحة «الوفاء والأمل»، وترك إنطباع لدى الرأي العام، أن القرى المسيحية في بنت جبيل، تدور في فلك الثنائي، وهذا ما يريده «حزب الله» لتلميع صورته.

ويضيف فادي الشوفاني من رميش المؤيّد للائحة المعارضة «معاً نحو التغيير»، أن «المنظومة الفاسدة والمجرمة التي أوصلتنا إلى هذا الواقع المزري، بعد فشلها في إدارة البلد بشكل كامل، وما نعانيه في الجنوب من غياب فعليّ للدولة في منطقتنا، وعدم وجود أي مشاريع إنمائية مستدامة، دفعتنا للوقوف إلى جانب القوى التغييرية، لافتاً إلى أن المغتربين في رميش، يتصلون بذويهم وأقاربهم لحثّهم على التصويت لصالح المعارضة.

مع إعلان «القوات اللبنانية» مقاطعتها للمعركة الإنتخابية في دائرة الجنوب الثالثة، لأسباب متعلّقة بالمواقف السياسية لبعض أعضاء لائحة «معاً نحو التغيير» الذين رفضوا  حسب «القوات» أي حوار معها، ورغم غياب المظاهر الحزبية «الفاضحة» بمختلف تلوّناتها في محيط مراكز الإقتراع في القرى الأربع، كان لافتاً تمركز شباب «القوات» في رميش، وتأمينهم الدعم اللوجستي لرؤساء الأقلام عشية الإنتخابات من «فرش» للنوم وغيرها، إضافة إلى تثبيت وجودهم على الأرض.

إلى ذلك، يقول الناشط غابي الحاج، إن «المقاطعة أتت لتسجيل موقفنا كأبناء رميش، بعد عدم قناعتنا بلوائح ما يسمى بالمعارضة كونها تضمّ شخصيات يسارية وشيوعية قريبة في ذهنيتها وخطابها السياسي من محور الممانعة ودفاعها عن مبدأ السلاح، ووصف بعضهم، أهلنا المبعدين إلى إسرائيل بـ»العملاء»، ورفضهم حقّ عودتهم بعفوٍ عام»، مشيراً في الإطار ذاته، إلى وجود بعض «المرشحين المقبولين» والمعتدلين ويمكن التفاهم معهم في وقت لاحق كالمرشّح علي مراد.

تنشط الماكينة الإنتخابية الكتائبية في بنت جبيل، الداعمة لـ»معاً نحو التغيير» بشكل لافت، حيث أعلن رئيس الإقليم شربل لوقا، أنه «بعد سلسلة لقاءات ومفاوضات مع لوائح المعارضة في الجنوب، التزمت الكتائب في دبل وعين إبل ورميش والقوزح، تأييد المرشّح علي مراد، الذي نتفق معه في مواقف عديدة، منها سيادة الدولة والسلاح غير الشرعي، والعمل على إستقلالية القضاء، خصوصاً بعد معاناتنا مع بعض قوى الأمر الواقع في ما يتعلّق بمشاعات قرانا التي استبيحت وتمّ التعدّي عليها، بفضل التدخلات السياسية في عمل القضاة»، منتقداً في الإطار ذاته، «مبايعة البعض في القرى المسيحية للثنائي الشيعي تحت شعارات العيش المشترك، معتبراً أن التآلف وحسن الجيرة والعيش معاً لا يتمّ بالإكراه، ولا بالضغوطات وتخويف الناس، أو عبر «بونات البنزين» وشراء الأصوات والوعود الفارغة والخدمات الشخصية التي لا تبني لبنان الذي نريده، بل باحترام خصوصيتنا وهويتنا ومواقفنا الوطنية والسياسية». 

أما ميليا لوقا «الكتائبية» فتقول إن «صوتي هو للمعارضة، لأن حضورنا كمسيحيين في قضاء بنت جبيل ليس «متل قلته» فنحن لنا كياننا وهويتنا وثقافتنا ووجودنا، وأن مواقفنا السياسية من الأحزاب الأخرى وخصوصاً «الثنائي»، غير نابعة من خلفيات طائفية أو مذهبية أو حتى حزبية، والدليل، أننا ككتائب وكإبنة دبل توافقنا مع مرشحي «المعارضة» الذين نختلف معهم بالخلفية الفكرية والثقافية وحتى العقائدية، لكننا استطعنا أن نلتقي معاً على خطّ وطني واحد جامع».

في الختام، يأمل الجنوبيون في القرى المسيحية الأربع، بمختلف توجّهاتهم السياسية والحزبية، أن يكون يوم الـ 16 من أيار، صفحة جديدة في تاريخ لبنان، فهم مواطنون يريدون العيش بسلام، متمسّكين بوجودهم وحضورهم السياسي والوطني والإجتماعي في الجنوب، وأن معاركهم الإنتخابية التي تسودها المحبة والإلفة، التي تشكل دافعاً أخلاقياً في تعزيز روح الديمقراطية، أن تسود في المناطق والدوائر اللبنانية كافة، التي شهدت العديد من المشاكل والتعديات.