صفقة الترسيم: مَن سينفّذها؟

ليست مصادفة أن تُترك صفقة الترسيم إلى الأيام الأخيرة قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون. على الأرجح، نجح عون، بموافقة «حزب الله»، في ترتيب الصفقة في أفضل لحظة سياسية على المستويين الداخلي والخارجي. وستظهر النتائج تباعاً.

في ملف الترسيم، يمكن الحديث عن 3 مرجعيات لبنانية كانت لها تأثيراتها في التفاوض: أولاً، الرئيس نبيه بري الذي وافق على «اتفاق الإطار»، على أساس الخط 23، وتوافقت معه كل القوى اللبنانية.


ولكن، في لحظة معينة، وضع الجيش اللبناني خرائط أخرى على الطاولة توسّع المطالب اللبنانية إلى الخط 29. وقد حظي هذا الطرح بتأييد سياسي «أولي»، لكنه لم يرقَ إلى التبنّي الرسمي. وبدت قوى السلطة ومرجعياتها السياسية راغبة في تسوية «أكثر تواضعاً» أو «واقعية» للملف.

 

فرئيس الجمهورية رفض تعديل المرسوم 6433، بمباركة شاملة من أركان السلطة. وأدّى ذلك إلى استبعاد طرح الجيش، واعتباره خط المناورة التفاوضية: نطلب كثيراً لنحصل على الأقل. وفي العمق، وافق الإسرائيليون على الخط 23، في اعتباره خط التسوية.


في معيار اللعبة السياسية الداخلية، هذا يعني رجحان كفة السياسيين: بري ثم عون، واستتباعاً الحكومة ورئيسها نجيب ميقاتي. فهؤلاء هم الذين قرّروا التفاوض ووضعوا أسس الاتفاق ثم أعطوا الضوء الأخضر لولادته.

 

«استردّ» عون ملف الترسيم من عين التينة، لكنه لم ينقلب على «اتفاق الإطار» الذي رعى بري ولادته، فأعلن أنّه سيبقى هو الصالح من دون سواه، ولكن رئيس الجمهورية هو المولج بلوغ التسوية وتوقيع الاتفاقات الخارجية.


من جهته، لم يُظهر بري اعتراضاً على انتقال الملف إلى بعبدا، خصوصاً أنّ هذا الأمر يحظى بدعم الحليف المشترك «حزب الله». وحتى في سجالاتهما المحتدمة في الأيام الأخيرة، تجنّب عون وبري احتكار الإنجاز في ملف الترسيم، لأنّهما يعرفان أنّ صاحب القرار الحقيقي في الملف هو «حزب الله».


وفي الحقيقة، عندما بدأت تنضج فعلاً طبخة الترسيم، حدّد «الحزب» موقعه منها بكثير من الوضوح والتأني: نحن نمشي خلف الدولة وندعم قرارها. فما تراه مناسباً نحن معه.
وبهذا الموقف أكّد «الحزب» مدى ثقته في تركيبة الدولة الحالية، كما أبعد عن نفسه عناء الانخراط في مفاوضات مع إسرائيل ولو في شكل غير مباشر، وترك الهامش واسعاً أمامه لكي يعلن رفض الطروحات أو قبولها ويحدّد الوقت المناسب لعقد الاتفاق.
في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الفريق الذي صنع اتفاق الترسيم من الألف إلى الياء هو الذي يحظى بامتياز تنفيذه. وهذا الأمر لا يبدو متعذراً حصوله في لبنان، لأنّ السلطة الحالية، التي هي نفسها تدير البلد منذ سنوات، قادرة على إدارته لسنوات أخرى، من دون شك.

 

والأرجح أنّ تجربة الانتخابات النيابية في الربيع الفائت كانت آخر محاولة بذلتها القوى العربية والدولية الساعية إلى تغيير هذه السلطة أو التغيير فيها على الأقل. وقد انتهت هذه المحاولة، كما الانتفاضات، إلى فشل ذريع. ومنذ ذلك الحين، ظهر التفاهم على مداه بين الأميركيين والفرنسيين وإيران وحلفائها اللبنانيين، وغذّاه التقارب في ملف الترسيم.
لذلك، لن يكون مستبعداً أن تتخلّى إدارة الرئيس جو بايدن عن الموقف السابق، المتشدّد، من إيران وحلفائها اللبنانيين، والذي تبنّته إدارة الرئيس دونالد ترامب. ويشجعها الفرنسيون على ذلك، لما فيه مصلحتهم ورؤيتهم للتسويات في لبنان والشرق الأوسط.
يعني ذلك، منطقياً، الحدّ من استخدام العقوبات ضدّ «حزب الله» وحلفائه في لبنان ورفع الحصار عنهم أو تقليص مفاعيله، بعدما أظهر هؤلاء تجاوباً في ملفات التسوية التي يعمل لها الأميركيون إقليمياً. فـ «الحزب» وحلفاؤه أثبتوا أنّهم جديرون بثقة القوى الدولية وأنّهم ليسوا عنصر تعطيل للتسويات.

 

وستكون لهذا التصور انعكاسات عميقة على الوضع الداخلي في لبنان. فعلى الأرجح، لن تحظى قوى المعارضة والاعتراض (على تشرذمها وإرباكها) بدعم الأميركيين والغربيين بعد اليوم، وربما لم يعد لها سوى دعم بعض القوى العربية. وهذا الأمر سيبقيها في موقع الضعيف، إلى موعد غير محدّد، فيما السلطة ستخلو للقوى التي تمسك بها حالياً.


استطراداً، هذا الأمر يعني أنّ السلطة التنفيذية التي تقع اليوم في وضعية تصريف أعمال حكومية وشغور رئاسي ستبقى في أيدي القوى نفسها التي أبرمت الاتفاق الإقليمي - الدولي، أياً كانت الظروف.


وما يهم القوى الدولية هو تنفيذ اتفاق الترسيم من دون أزمات، وتطوير مناخ التهدئة وأسلوب المفاوضات في السنوات المقبلة، ومحاولة استكمال هذا المسار بخطوات أخرى مماثلة، أياً يكن من يقوم بذلك.


وثمة من يعتقد أنّ اتفاق الترسيم ربما ينطوي على تفاهمات ضمنية في هذا المعنى، بحيث تُكافأ القوى التي أبرمته وتحمّلت تبعات الموافقة عليه، لا سواها.
ووفق هذا المنطق، ليس مستبعداً أن يوافق الأميركيون على طروحات جديدة في ما يتعلق بهوية رئيس الجمهورية المقبل وهوية رئيس الحكومة التي ستواكبه، وتركيبة هذه الحكومة.


وهذا ما يفسّر قول عون، في حديثه أخيراً عن حظوظ النائب جبران باسيل الرئاسية: «صحيح أنّه مشمول بالعقوبات، ولكن نحن قادرون على تبديدها».


وعلى الأرجح، يتصرّف عون على هذا الأساس. وهو سيتعاطى مع فترة الشغور باعتبارها فرصة لطبخ التسوية التي كانت تبدو صعبة لو لم يتحقق الترسيم، أي إيصال باسيل إلى الرئاسة. وهذه التسوية قد لا يكون صعباً تحقيقها داخلياً، إذا كان «حزب الله» يريدها فعلاً. ويبقى فقط تسويقها خارجياً، حيث يجدر تغيير نهج الأميركيين، من العقوبات على باسيل إلى «التطبيع» معه، فلا يعطلون وصوله إلى بعبدا. وحينذاك، تكون ولايته امتداداً لولاية عون. وعليه تقع المهمات المحتملة في المراحل الآتية.
ليس واقعياً الإفراط في التوقعات. ولكن، بعد الترسيم، بات محتملاً حدوث تطورات كانت تُعتبر خيالية، بين الأميركيين و»حزب الله» وحلفائه.