تحوُّلات داخلية بعد الترسيم

إذا سارت الأمور وفق المتوقع، وتمّ الأخذ بالملاحظات اللبنانية على نصّ اتفاق الترسيم بحراً بين لبنان وإسرائيل، فمن المتوقع أن يشهد لبنان سلسلة تطورات مفصلية تنقله من مناخ إلى آخر.

لا يمكن التعاطي مع اتفاق الترسيم وكأنّه نتاج اتفاق بين لبنان وإسرائيل وحدهما. فهو في الدرجة الأولى ثمرة مفاوضات غير مباشرة قادتها الولايات المتحدة، وشملت قوى عدة، أبرزها إيران. وفي الواقع، لم يكن ممكناً إنضاج الاتفاق لو لم يحظَ بتغطية دولية- إقليمية متينة. فهو يترجم تقاطعاً نادراً للمصالح بين الولايات المتحدة والأوروبيين وإسرائيل وإيران.

 

فعلى رغم عدم ولادة اتفاق جديد في فيينا حول الملف النووي الإيراني، فإنّ إدارة الرئيس جو بايدن ما زالت تفضّل الاحتفاظ بمستوى مقبول من العلاقات مع طهران والتنسيق معها حيث يمكن. وبعدما كان هاجس واشنطن الأساسي منع إيران من أن تصبح منصة لنفوذ موسكو، بات هاجسها اليوم جذب طهران إلى خارج دائرة النفوذ الصيني.


 

ومن هذا المنطلق، تريد إدارة بايدن ترتيب علاقات الحدّ الأدنى مع طهران في الشرق الأوسط، ولاسيما لبنان والعراق، مع الحرص على عدم إزعاج إسرائيل، الحليف الإقليمي الأبرز. وفي هذا الإطار، يأتي اتفاق الترسيم بحراً بين لبنان وإسرائيل نموذجاً لطريقة التعاطي بين إسرائيل وإيران، في البلدان التي تتمتع فيها طهران بالنفوذ.

 

ويدور جدل ساخن في إسرائيل تحت عنوان: هل يؤدي اتفاق الترسيم إلى تدعيم حضور «حزب الله» ورصيده في لبنان، وتالياً نفوذ إيران، أم هو على العكس يعيد لبنان إلى بعض الازدهار والتواصل مع المجتمع الدولي والعرب، ما يقلّص حضور إيران في قراره؟


 

ما يهمّ المجتمع الدولي هو إدخال إيران في دائرة المصالح المشتركة. واستخراج الغاز من البحر اللبناني واحدٌ من أبرز هذه المصالح حالياً. وفي هذا المجال، تلتقي البراغماتية الأميركية مع براغماتية إسرائيل. وأما إيران فهي الرابح الأكبر، لأنّ حلفاءها هم عرّابو الاتفاق الذي سيقطفون ثماره بأشكال عديدة.

 

في لبنان، يريد الإيرانيون ما يأتي:

 

1- أن تكون لهم إطلالة على البحر المتوسط وحقوله النفطية وأنابيب الغاز الممتدة إلى أوروبا.


 

2- أن يبقى لبنان رأس الجسر الإيراني الممتد عبر العراق فسوريا. ولا يريد الإيرانيون التخلّي عن أي حلقة من هذا الجسر.


 

3- إن يبقى حلفاؤهم الأقوياء على تماس مع إسرائيل. فلهذا التموضع أهمية بالغة في الحرب الباردة القائمة بين إسرائيل وإيران، والتي تتجلّى اليوم بالملف النووي ونفوذ إيران في المناطق التي تعتبرها إسرائيل خاصرة لها.

 

في القراءة السياسية، لا يمكن إنضاج اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل إلا إذا وافقت إيران وكانت جزءاً من الصفقة. وهذا يعني أنّ المرحلة المقبلة في لبنان سيديرها «حزب الله»، لا بالصراع مع الولايات المتحدة والغرب، بل بالتوافق والتنسيق على الأرجح. ويعني ذلك منطقياً احتمال خفض العقوبات المفروضة عليه وفك الحصار عنه.


 

عندما يعطي «الحزب» ضوءاً أخضر لاتفاق الترسيم، سيحصل تلقائياً من الغربيين على امتيازات في الواقع السياسي والاقتصادي اللبناني. ويتوقع بعض العارفين، بعد توقيع الاتفاق، خطوات متتالية في عملية بناء السلطة في لبنان، بدءاً من تشكيل حكومة فاعلة وانتخاب رئيس للجمهورية، وصولاً إلى الانطلاق في عملية النهوض الاقتصادية- السياسية. وسيبدو «الحزب» خلال المرحلة المقبلة صانع الحلول الحقيقية التي أدّت إلى إخراج لبنان واللبنانيين من قعر الهاوية وأتاحت لهم الصعود مجدداً.

 

هذا يعني سياسياً أنّ «الحزب» سيتمكن من الحصول على نتائج ربما كان ينتظرها من المؤتمر التأسيسي الذي لطالما دعا إليه، ومن دون الاضطرار إلى تحمّل عناء هذا المؤتمر وتبعاته والنزاعات ذات الطابع الطائفي والمذهبي والسياسي التي سيشهدها.

 

فقد أعلن الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة أنّ موارد لبنان من الغاز ستفتح الباب لمرحلة واعدة، وستغنيه عن الحاجة إلى المساعدات المحدودة التي يمكن أن تأتيه من هنا أو هناك.

 

فلبنان سيعتمد على موارده من الغاز لوقف الانهيار، ولن يكون هاجسه بعد اليوم عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي أو مع أي جهة أخرى. وسيكون لـ»الحزب» موقع مميّز في إدارة خطة النهوض وتمويلها.

 

ووفق الخبراء في شؤون المال، سيكون الاستحقاق الأكثر أهمية في هذه الخطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وستكون الفرصة سانحة كي يدخل «الحزب»، والشيعة عموماً، إلى هذا القطاع بقوة، وفي موقع الشراكة في ملكية هذا القطاع الذي لطالما احتكره المسيحيون والسنَّة وحُرِم منه الشيعة، لأنّ الظروف التأسيسية، منذ الاستقلال، اقتضت ذلك.