مـاذا بعـد إضراب المصارف؟ ولِمَنْ القرار؟

الى أين يتجه الوضع المصرفي في المرحلة المقبلة؟ وهل الاقفال الذي ينفذه القطاع سينتهي الى حلول مؤقتة تسمح بالعودة الى فتح الابواب واستئناف العمل، ام انّ الامر قد يطول ويتطوّر في اتجاهات أشد خطورة؟

تتصرّف الدولة منذ بداية الأزمة المالية والاقتصادية على اساس ان الاطراف الثلاثة المعنية بالانهيار تشمل مصرف لبنان والمصارف والمودعين. وكان من غريب الامور، انّ قسماً من هذه السلطة كان ينقضُّ على البنك المركزي ويُحمّله مسوؤلية الكارثة التي وقعت، والقسم الآخر صبّ غضبه على المصارف واعتبرها المسؤول الوحيد عن الانهيار. وهكذا بَدت السلطة مرتاحة لنتائج هذا التصنيف، اذ انّ قسماً من المواطنين قرر أن كسبَ الحرب يتمّ من خلال إسقاط البنك المركزي، وبدأ المواجهة على هذا الاساس، والقسم الآخر اعتبر انّ المصارف هي الخصم الذي ينبغي محاربته والانتصار عليه وتدميره.

 

هذه المشهدية كانت تُريح ما يُعرف بالمنظومة، وكان أركان هذه المنظومة يقفون على ضفة النهر يراقبون هذا الصراع، وقد يتدخلون من وقت لآخر، لتغذيته والحرص على بقائه في الاتجاه الذي يسلكه.

 

هذا النهج التدميري للدولة مستمر، وتمّ التعبير عنه من خلال طريقة التعاطي مع حوادث الاقتحامات المسلحة للمصارف، قبل الموجة الأخيرة. وبصرف النظر عن الجانب الانساني في هذا الموضوع، والذي قد يدفع البعض او الغالبية الى التعاطف مع المودع، إلا أنّ ذلك لا يلغي مسؤولية الدولة في تطبيق القوانين المرعية الاجراء. وعندما تقرر الدولة انّ المودع، وما ان تنتهي عملية الاقتحام المسلح، والتهديد بالقتل والحرق، مسموح ان يتحوّل الى «بطل»، وعندما يساهم بعض الاعلام في بَث مثل هذه الاجواء، من البديهي ان نصل الى فوضى شاملة، كالتي وقفنا على أبوابها في 16 ايلول الجاري.

 
تأخرت الدولة لكي تستدرك ان «الرسالة» التي وجّهتها الى المواطنين، وربما الى المصارف ايضا، «دَبّروا راسكم والشاطر بشطارتو». ولو لم تبادر المصارف الى اغلاق ابوابها لكنّا شهدنا على ما هو أعظم من اقتحامات مسلحة للبنوك. ومن المؤكد اننا كنّا مقبلين على مشهد اسود، يتجاوز مسألة اقتحام مودع لمصرف لأخذ وديعته، الى اقتحامات لمؤسسات والسطو عليها، تحت مسمّى إنساني، او من دون مُسمّى.
 
هل يعني هذا الكلام ان المطلوب «ذبح» المودع، ومنعه من التعبير عن غضبه، ولو عبر مخالفة القانون، في محاولة لاسترجاع حقوقه؟

 
الجواب طبعاً لا. لكن التعاطف مع القضايا الانسانية يتم عبر طريق وحيد: إقرار تشريعات تبيّن ما هي حقوق وواجبات كلٍّ من المودع والمصرف في هذه الفترة. هذه التشريعات تسمح بوجود لجنة موثوقة، مكوّنة من الاطراف المعنية (مودعون، مصارف، قضاء...) تكون مهمتها النظر بالقضايا الاستثنائية ذي الطابع الانساني، واتخاذ القرارات المناسبة السريعة في شأنها. وكل ما عدا ذلك هرطقة ودعوة مفتوحة الى تدمير البلد وتحويله الى غابة لا يعيش فيها سوى الزعران.
 
وفي هذا السياق، ينبغي التعاطي مع هذا الملف بموضوعية وواقعية، فلا يتم توزيع وعود كاذبة لا يمكن الايفاء بها. وهذا ما قصده تقرير البنك الدولي الأخير في شأن انتقاد وعود السياسيين للمواطنين بأنّ الودائع مقدسة.

 
هذه الشعبوية التي تدفع دائما الى المزايدات الرخيصة سوف تقضي على البلد وعلى أي أمل بالانقاذ.

 
ومع وصول وفد صندوق النقد الدولي الى بيروت لمعاينة ميدانية للوضع اللبناني قبل حلول موعد اجتماع مجلس ادارة الصندوق في الخريف لدراسة ملف الاتفاق الاولي مع لبنان، واتخاذ القرار اذا ما كان ممكناً الانتقال الى اتفاق نهائي مُنجز يحصل بموجبه لبنان على التمويل، وعلى خَتْمِ الصندوق على ورقة «حسن السلوك» التي تعني انّ البلد انتقل من مرحلة الفوضى والفساد العام، الى مرحلة بدء الاصلاحات، والسير على طريق التعافي، مهما كان طويلاً، سوف يُعاين الوفد ما يجري في القطاع المالي، وكيف تتعاطى السلطة مع هذا الملف. وستكون المصارف مغلقة، وصيحات الأخذ بالثأر تتردّد في الشارع، وتبشّر باحتمالات الفوضى الشاملة. ومع إرجاء اقرار الموازنة، سيدرك وفد الصندوق كم هي بعيدة المسافة التي تفصل بين الانتقال من الفوضى الى الانتظام. وبناء عليه، هل يصعب على أيّ كان ان يتخيّل مضمون التقرير الذي سيرفعه الوفد الى ادارة الصندوق التي أرسلته لتقصّي الحقائق، والتحفيز على الاسراع بتنفيذ البنود المتفق عليها؟
 
انه الاستقبال المثالي الذي سيعطي فكرة حقيقية عن دولة تصرّ على اجتياز الانهيار بسرعة وصولاً الى الدولة الفاشلة، حيث لا وفود ولا زيارات للاطلاع ولا من يسألون.