هل يزور ماكرون لبنان نهاية العام؟

في لبنان تراكم أزمات لا تجد لها سبباً في العلن ولا خلفية واقعية. جنون على كل المستويات. في السياسة كما في الاقتصاد وكذلك في الامن المتفلت. على وقع ارتفاع الدولار غادر رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي البلاد في اجازة عائلية. ويستعد رئيس مجلس النواب السابق نبيه بري لخوض انتخابات لولاية سابعة ضبابية المسار. وبين هذه وتلك انصرف الوزراء الى تصريف الاعمال لأجَل لن يكون قريباً. كان لافتاً كيف ان تسعة اشهر من التناغم السياسي والقفز فوق الحساسيات انتهى الى خلاف عميق ومساجلة بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي و»التيار الوطني الحر». ما ليس مفهوماً حتى لدى العديد من الوزراء سر الخلاف العميق الذي ظهرت معالمه على خلفية تلزيمات معامل الكهرباء. شهدت الجلسة الاخيرة قبل ان تتحول الحكومة الى تصريف الاعمال تشنجاً غير مسبوق، شعر معه بعض الوزراء بوجود قطبة مخفية او «تمريرة» لم يلتزم بها ميقاتي كانت سبباً للتشنج. في الجلسة عينها أثيرت خطة التعافي التي جاءت مخيبة للتوقعات فعارضها وزراء الثنائي الشيعي لان تطبيقها مستحيل وكارثي على المواطن.

يمكن البناء على الجلسة الاخيرة للقول ان الازمة السياسية التي انتهت اليها مؤهلة للاستمرار الى ما بعد انتهاء عهد رئيس الجمهورية. وبسببها بات الوزراء على قناعة ان فترة تصريفهم للاعمال ستطول وخلالها سيدعو ميقاتي الى عقد جلسة للحكومة لان الدعوة لمثل هذه الجلسة لن تكون مخالفة للقانون، وهدفها تسيير الامور الحياتية وتلك المتعلقة بالتزامات لبنان امام صندوق النقد الدولي. بعد جلسة انتخاب رئيس لمجلس النواب وما ستحمله من صورة ضبابية تعكس تموضعاً غير واضح المعالم نيابياً، يستنتج صعوبة الاتفاق على شخصية رئيس الحكومة الجديدة وتوزيع الحصص فيها. حتى الساعة لا يوجد مرشحون فعليون بل مجرد توقعات لم تلامس الواقع. من كان متحمساً لخوض المواجهة سابقاً صار يحاذر اليوم وهناك من رفض طرح اسمه ولو على سبيل جس النبض. كثيرة تلك العوامل التي تتحكم بتسمية رئيس الحكومة ومنها والأهم الموقف السعودي من هذا الاستحقاق.

أما تعويم الحكومة الحالية برئاسة ميقاتي وفي ضوء السجال المستجد مع «التيار» فان الاخير لن يرضى بميقاتي حكماً، بينما لن يمانع الثنائي الشيعي طرحاً سبق وحسم منذ تم الاتفاق مع ميقاتي على رئاسة الحكومة، لكن الظروف تغيّرت. صارت الاكثرية في مكان آخر، ودخول كتلة نواب التغيير على المشهد النيابي بدلت تعاطي بقية الكتل النيابية. باتت تحاذر في اطلاق مواقفها كي لا تكون عرضة للمزايدة. ولذا شهدنا كيف ان الكتل النيابية القديمة تسابقت مع النواب الجدد على رفض ترشيح بري، وهي تعرف اصول اللعبة البرلمانية وطبيعة التركيبة الطائفية في البلد.

حكومياً ايضاً ليس مستبعداً ان نشهد تموضعات جديدة في حال تشكيل حكومة. في قراءة سريعة لاحد كوادرها ان خسارة قوى الثامن من آذار للاكثرية أراحها وخفّف عن كاهلها عبء المواجهة وتحمّل المسؤولية في اصعب ظرف تمر فيه البلاد. وانطلاقاً من هذا الاعتبار لن تعارض تسمية رئيس حكومة تقترحه الاكثرية المستجدة. الوجود في صفوف المعارضة مريح فيما المتبقي من عمر العهد لن يزيد على أشهر قليلة، خلالها لن يجد «التيار الوطني» حاجة للمهادنة او المقايضة على البدائل. ان يكون «التيار» خارج الحكومة مسألة فيها نظر. وكما في رئاسة الحكومة كذلك في انتخاب رئيس الجمهورية هل لا يزال الموضوع يحتل الاولويات؟ بالمنطق تريد هذه القوى من يزيل العبء عن كاهلها، واي مرشح يُتفق عليه لن تقف في مواجهته طالما يشكل تقاطعاً معها. اي انها حكماً لن تقبل مرشحاً مستفزاً ولن تعارض بالمقابل شخصية كقائد الجيش العماد جوزف عون وإن حظي ترشيحه بتزكية من الاميركيين. ربما يكون الانسب للجميع ان يكون رجل المرحلة افضل من اي مرشح آخر. انتخاب الرئيس قد يأتي على صفيح ساخن اجتماعي بدأت ملامحه منذ زمن ومرشح للانفجار على وقع ارتفاع جنوني لسعر صرف الدولار، وسياسي مرشح للتفاقم ما يجعل التدخل الخارجي حتمياً وضرورياً. واذا كانت فرنسا الخارجة من انتخابات رئاسية حديثة وتستعد لانتخابات تشريعية، فعينها ستكون على لبنان في غضون الاشهر القليلة المقبلة، يقول المطلعون على ملف العلاقات الفرنسية اللبنانية، ومن خلال رعاية مؤتمر حوار جامع يتولاه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارة مرتقبة له الى لبنان نهاية العام الجاري. كل ذلك مرهون بالتطورات الدولية وتطورات المنطقة والحرب في اوكرانيا. لكن حتى ذلك الحين سيكون لبنان على موعد مع ازمات متتالية يؤمل الا تترجم الى صدام امني او ما شاكل.