مباشر

عاجل

راديو اينوما

كيف بعد "الميكانيزم" يُعاد رسم التفاوض بين لبنان وإسرائيل؟

21-01-2026

مقالات مختارة

كتب أنطوان العويط

على الرغم من النبرة التصاعديّة والحازمة التي اعتمدتها السلطات اللبنانيّة في مقاربة ملف السلاح، والتي توّجت أخيرًا بموقف رئيس الجمهوريّة أمام أعضاء السلك الدبلوماسيّ المعتمد، حيث تحدّث بثقة محسوبة وحسم لغويّ لا لبس فيه عن حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة، متجاوزًا سردية "حزب الله" واعتراضاته وانتقاداته، بل ووصف - من دون تسميته - انخراطه في حرب "إسناد غزّة" بـ"المغامرة"، وتجاهل رفضه الصريح لخطة حصر السلاح شمال الليطاني، فإن هذا التشدّد الرسميّ، على أهميّته السياسيّة والرمزيّة، لم يحجب بروز مستجد بالغ الدلالة تمثّل في تجميد أعمال "الميكانيزم".
وقد فتح ذلك باب التساؤل واسعًا حول ما إذا كانت مرحلة التفاوض بين لبنان وإسرائيل عبر هذه اللجنة قد طويت فعليًا، أم وُضعت في الثلاجة بانتظار مسار بديل.
وإذا ما تبيّن أنّ هذا التجميد تحوّل إلى قرار ثابت، فإنّ التجربة التفاوضيّة تكون قد انتهت قبل أن تنضج، لا بفعل تعثّر تقني أو خلاف إجرائيّ، بل بقرار سياسيّ واضح المعالم تقف خلفه واشنطن وتل أبيب معًا. 
في جوهر المسألة، يتقدّم منطق مختلف. المقاربة الأميركيّة - الإسرائيليّة ترى أنّ التفاوض كما أُطلق لم يلبِّ الأهداف السياسيّة المرجوّة، ما يستدعي إعادة صياغته من الأساس، إطارًا وشكلًا ومضمونًا. ومن هنا، يبرز النموذج السوريّ بوصفه المرجعيّة العمليّة "الناجحة" التي يُراد استنساخها أو الاقتداء بها، كتحوّل استراتيجيّ في إدارة هذا النوع من الملفات.
عمليًا، أظهرت جولتان تفاوضيّتان فقط عمق الفجوة البنيويّة بين التصوّرين اللبنانيّ والإسرائيليّ، فجوة تعكس تضاربًا جذريًا في تعريف الأولويّات والغايات. فبينما دخل الجانب اللبنانيّ المفاوضات بحق، مسلّحًا بموقف حصر السلاح واستعادة قرار السلم والحرب، وبسلسلة مطالب إنسانيّة وسياديّة واضحة - في مقدّمها الانسحاب، ووقف الغارات، وعودة الأسرى، وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب - حضرت إسرائيل إلى الطاولة بأجندة مغايرة كليًا، تتمحور حول سلاح "حزب الله"، ومعادلات الأمن، وفتح الباب أمام طروحات اقتصاديّة تخدم رؤيتها للمنطقة الحدوديّة.
في هذا السياق، أصرّ المفاوض اللبناني السفير سيمون كرم على تضييق نطاق النقاش وحصره في بندين اعتبرهما مدخلًا إلزاميًّا لأي تقدّم: عودة الأهالي إلى القرى الحدوديّة، واعتبار إعادة الإعمار المفتاح الوحيد للنقاش في أي بعد اقتصاديّ لاحق. وكان الهدف اللبنانيّ واضحًا في تثبيت صيغة تفاوضيّة تُعيد الاعتبار إلى تطبيق القرار 1701، وتُبقي اتفاقيّة الهدنة مرجعيّة عليا للتفاهمات الأمنيّة، مع إبداء استعداد مدروس للنقاش في تعديلات محدودة لا تمسّ جوهرها ولا تُفرغها من معناها السياديّ.
غير أنّ مسار التفاوض سرعان ما كشف عن واقع أكثر تعقيدًا. فإسرائيل أتت بحزمة شروط أمنيّة واقتصاديّة قاسية، تتجاوز السقف الذي يستطيع لبنان تحمّله أو القبول به. والأخطر أنّ تل أبيب تتعامل مع الوقائع الميدانيّة المستجدّة بوصفها قد نسفت عمليًا اتفاقيّة الهدنة، وبدت كأنّها تطالب باتفاق جديد كلّيًا، مختلف عن ذلك الموقّع في 27 تشرين الثاني 2024 لوقف الأعمال العدائيّة، اتفاق يُكرّس ما تعتبره واقعًا جديدًا على الأرض.
هذا الأمر، وفق الرؤية الإسرائيليّة، لا يكتفي بإعادة رسم الترتيبات الأمنيّة، بل يذهب أبعد، نحو إنشاء منطقة عازلة مع لبنان، لا تُدار بمنطق أمنيّ صرف، بل يُراد لها أن تتحوّل إلى مساحة استثمار في منطقة اقتصاديّة تخضع لمعادلات إقليميّة جديدة. وهنا، تظهّر الخلاف بين منطق لبنانيّ يسعى إلى تثبيت السيادة عبر القانون الدوليّ، ومنطق إسرائيليّ يريد ترجمة موازين القوى إلى اتفاقات جديدة.
ما يتبلور اليوم في الخيارات الإسرائيليّة - الأميركيّة يشكّل مشروعًا سياسيًا متكاملًا. ففي المنظور الأميركيّ - الإسرائيلّي، وبما يُستنتج من المتابعات الحثيثة للمعنيين بهذا الملف في واشنطن، يُفترض أن ينتقل لبنان إلى مرحلة تفاوض مباشر بتمثيل رفيع ذات طابع سياسيّ صريح حيث تُحسم الخيارات الكبرى، وتحت رعاية أميركيّة، من دون وسطاء أمميين أو أدوار فرنسيّة مكمّلة أو ضابطة، بما يعكس رغبة واضحة في احتكار إدارة الملف وتحديد إيقاعه وسقوفه السياسيّة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن تصوّر أوسع للتفاوض عبر لجان موسّعة ومتخصّصة، أمنيّة واقتصاديّة، تتمتّع بصلاحيات واسعة لفضّ النزاعات واتخاذ القرارات، بعيدًا من القيود التقليديّة للآليات السابقة. 
وفي موازاة ذلك، يبرز توجّه حاسم لتغيير مكان التفاوض، عبر الخروج من مقرّ الأمم المتّحدة في الناقورة، الذي يحمل رمزيّة قانونيّة ودوليّة لصالح لبنان، والبحث عن ساحة بديلة، ربما في دولة ثالثة.
أما الخيط الناظم لكلّ هذه الطروحات، فيتجلّى في اعتماد مقاربة قائمة على الوضوح الصارم، والسرعة المحسوبة، والفعاليّة في فرض الوقائع وترتيب المسارات. وهي مقاربة لا تهدف إلى إدارة تفاوضٍ مفتوح على احتمالات متعدّدة، بل إلى دفعه تدريجيًا نحو مسار مُحدَّد سلفًا، يُفضي إلى نسج تفاهمات مباشرة مع إسرائيل، على قاعدة التزامٍ سياسيّ مسبق ببلوغ اتّفاق أمنيّ - اقتصاديّ شامل، يُمهّد، في جوهره، إلى اتّفاق سلام.

services
متجرك الإلكتروني في أقل من عشرة أيام!

انطلق من حيث أنت واجعل العالم حدود تجارتك الإلكترونية…

اتصل بنا الآن لنبني متجرك الإلكتروني بأفضل الشروط المثالية التي طورتها شركة أوسيتكوم؛ أمنًا، سعرًا، وسرعة.
اتصل بنا

This website is powered by NewsYa, a News and Media
Publishing Solution By OSITCOM

Copyrights © 2023 All Rights Reserved.