لبنانيتان بين صحافيين يلاحقهم اللوبي الإسرائيلي في "فرانس 24

من دون تعليق | 14-03-2023

تؤشر قرارات تجميد أربعة مراسلين في قناة "فرانس 24" الفرنسية، الى أن اللوبي الاسرائيلي في أوروبا يمضي في فرض معادلة باتت واضحة في وسائل الاعلام الاوروبية، مفادها إسكات الاصوات التي تنتقد جرائم الاحتلال، ومعاقبة من تجرأ في السابق على قول كلمة حق، بتهمة معلّبة وجاهزة وفضفاضة هي "معاداة السامية". آخر القرارات التي تظهر سطوة هذا اللوبي على وسائل الاعلام الاوروبية، وحملات الترهيب التي تخضع لها، هو إعلان إدارة قناة "فرانس 24" الفرنسية، تجميد 4 عاملين في القسم العربي عن العمل، بعد توجيه اتهاماتٍ لهم من قبل منظّمة مؤيّدة لإسرائيل بنشر تعليقات "معادية للسامية"، حتّى الانتهاء من التحقيق. وبعد انتشار معلومات عن أن مراسلة القناة في القدس المحتلة ليلى عودة، كانت المستهدفة، إتضح أن القرار ضم ثلاثة آخرين، بينهم لبنانيتان هما الزميلتان دينا أبي صعب (متعاونة مع القناة وليست موظفة)، والمراسلة في مكتب بيروت جويل مارون، إضافة إلى الصحافي الفلسطيني - الفرنسي شريف بيبي الذي يعمل في موقع Info Migrants التابع للقناة والخاص بشؤون الهجرة واللاجئين.

والقرار الذي يمثل ذروة في مصادرة حرية الرأي والتعبير، ويحمل تهديداً لكل من يفكر في انتقاد اسرائيل التي تواصل قتل الفلسطينيين وتتابع سياسات ضم الاستيطان، وهي محل انتقاد أوروبي على أي حال، يثبت حجم الضغوط التي تمارس على وسائل الاعلام الاوروبية لمعاقبة الموظفين بأرزاقهم. 

اسرائيل نفسها التي قتلت مراسلة "الجزيرة" شيرين أبو عاقلة بدم بارد في ايار/مايو الماضي، تغتال الصحافيين العرب بلا دماء، عبر استهدافهم بأرزاقهم في أوروبا، عبر "النكش" في تغريدات قديمة منزوعة من سياقها وظروفها وزمنها، وغالباً ما تتعرض للتحريف في التفسير، ولا تنظر الى الموقف اللبناني الرسمي القانوني الذي يعتبر أن لبنان في حالة عداء مع اسرائيل، وهو موقف يعرفه الفرنسيون وسائر المجتمع الدولي.

كما ينتقص الضغط الى الموقف المبدئي الرافض للاستيطان والقتل، الذي يتبناه الأوروبيون أنفسهم، ولا جديد فيه لجهة رفض القتل الذي تمارسه سلطات الاحتلال، والتضامن الانساني مع الضحايا والمسلوبة أراضيهم وممتلكاتهم، والرافضين لخطة الفصل العنصري والتطرف الذي بدا بأوج صوره في الاسبوع الماضي في احراق سيارات ومنازل الفلسطينيين. 

وتلقى الصحافيون الأربعة، ليل خميس وصباح الجمعة، اتصالات هاتفية ورسائل بريدية من إدارة القناة تبلغهم فيها بتعليق عملهم إلى حين الانتهاء من تحقيق داخلي، ستقوم به المحطة الفرنسية، إلى جانب توكيلها لمكتب خارجي، للتدقيق في تغريدات وتدوينات الصحافيين، على أن يتقرّر بعدها مصير هؤلاء.

مركز سيمون فيزنتال 
توسعت القضية من حملة شبكة "دويتشه فيله" في العام الماضي، الى "فرانس 24". أعلنت القناة، مساء الأحد، أنه "بعد نشر موقع كاميرا لمقال نقله مركز سيمون فيزنتال، مشكّكاً في مهنية صحافي وثلاثة مراسلين في القسم العربي لقناة فرانس 24 بسبب أقوال نشروها في صفحاتهم الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، أجرت إدارة القناة على الفور تدقيقاً داخلياً على هذه الأقوال المفترضة، وفقاً لما كانت أبلغته داخلياً منذ العاشر من مارس/آذار الجاري". واضافت: "على سبيل الاحتياط ووفقاً لما هو متبّع في إطار هذا النوع من الإجراءات، تم وقف نشاط الصحافيين الأربعة المعنيين بانتظار نتائج التدقيق". 

ويأتي ذلك، بعد رسالة مفتوحة وجّهها مركز سيمون فيزنتال إلى إدارة قناة "فرانس 24"، في 7 مارس/آذار الحالي، للتعبير عن "صدمته من معاداة السامية لدى مراسلي القناة العربية".
ويعرّف هذا المركز عن نفسه بأنّه "يتصدى لمعاداة السامية والكراهية والإرهاب، ويقف إلى جانب إسرائيل، ويدافع عن سلامة اليهود في جميع أنحاء العالم، ويعلم دروس الهولوكوست للأجيال القادمة". 

وتلقّف المركز تقريراً منشوراً في 6 مارس في موقع كاميرا، "لتحري الدقة في تغطية أخبار الشرق الأوسط". كما أنه يزوّد الأمم المتحدة بتقارير خاصة بـ"معاداة السامية حول العالم". 

موقع "كاميرا"
وبحسب الزميلة "العربي الجديد"، يعمل موقع "كاميرا"، الذي يتّخذ من مدينة بوسطن مقرّاً له، على تتبّع وترصّد العاملين والصحافيين العرب في المؤسسات الإعلامية الغربية التي تصدر بالعربية، بحثاً عن أيّ إشارة تدلّ على انحيازهم للفلسطينيين، ومن ثمّ التعريض بهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، في طريقةٍ عملٍ تتشابه مع المخبرين الأمنيين، عبر "التنقيب" في حساباتهم للإيقاع بهم. 

ويظهر ذلك بوضوح في حالة مراسلة "فرانس 24" في بيروت، جويل مارون، إذ "نُبشت" تغريدات لها عمرها أكثر من 10 سنوات، للتدليل على معاداتها للسامية. 

كذلك، وجّهت اتهامات لعودة "بتمجيد الإرهاب والتقليل من أهمية الضحايا (الإسرائيليين)"، مدلّلين على ذلك باستخدامها كلمة شهيد لوصف الفلسطينيين الذين يقتلهم جيش الاحتلال، وكذلك استخدامها عبارة "أراضي العام 1948" بدلاً من استخدام كلمة "إسرائيل" عند التطرق إلى دولة الاحتلال. 

وهو الأمر نفسه في حالة دينا أبي صعب، التي هوجمت بسبب استخدام كلمات مثل "شهيد" و"المقاومة" في منشوراتها حول الصراع العربي الإسرائيلي في منصات التواصل الاجتماعي، علماً أنها نقلتها عن بيانات رسمية.

أمّا بالنسبة لشريف بيبي، فاتّهم بمعاداة السامية، بناءً على استعاضته عن استعمال كلمات مثل "إسرائيل" و"إسرائيليين"، بـ"الكيان الصهيوني" و"الصهاينة"، إضافةً إلى تغريدة واحدة قال فيها: "اسمع اسمع اسمع... من بحر دماء الشهداء... من نفس الثوار الأحمر.. سنقتلعك يا إسرائيل من جذورك". 

وتقوم شبكة "فرانس 24" بتحقيق داخلي، سري ودقيق، تمهيداً لاتخاذ القرار بالزملاء الأربعة. ومن الواضح أن الضغوط الاسرائيلية قادت الى هذا القرار، بالنظر الى انه لا وجود لأي خطأ مهني ارتكبوه في العمل، بل ينظر في مواقف هي في الاصل تراعي القانون اللبناني أوالموقف الرسمي الفلسطيني. وتبدو حملة الضغط ممنهجة على الشبكة الفرنسية قبل الزملاء، كونها تبحث في أرشيف التغريدات في الصفحات الشخصية.

وفي تدليل على حجم الضغوط على القناة الفرنسية، حمّل المركز "شبكة فرانس 24"، ومديرتها فانيسا بورغراف، مسؤولية التدقيق في حسابات وكتابات العاملين مع المؤسّسة، وحثّتهم على "اتخاذ الإجراءات اللازمة" بحقّ الموظفين الأربعة.