«القوات» إن بادرت وفاجأت؟

في خضمّ مجريات انتخابات رئاسة الجمهورية وجلساتها النيابية المتلاحقة والتي لم تسفر عن انتخاب الرئيس العتيد بعد، يسأل كثير من المتابعين والمعنيين: أين تكمن مصلحة «القوات اللبنانية» في الاستحقاق الرئاسي في اعتبارها إحدى الكتل الكبرى السياسية والنيابية التي لها تأثيرها فيه؟
ثمة من يعتبر ان «القوات اللبنانية» هي العمود الفقري لجسم ما يسمّى القوى المناهضة لحلفاء «محور المقاومة والممانعة» بحيث اذا تفكك هذا الجسم يبقي عموده الفقري ثابتاً لا يتغير، ولكن في الحقيقة والواقع ان «القوات» في مقاربتها للعمل السياسي في لبنان منذ نشأتها وحتى الآن إنما تعتمد المقاربة البراغماتية للامور في الوقت الذي تُظهر تشبّثها بالشعارات التي تطلقها كل يوم وتعكس من خلالها رؤيتها الاستراتيجية.
 
وفي نظرة سريعة الى بعض المحطات التاريخية نجد ان «القوات» اكثر مقاربة للواقع بدءاً من انتخاب الرئيس بشير الجميل عام 1982، والذي انقلب فيه الرئيس الراحل على رؤيته التقسيمية التي جاهَر بها مُتّجهاً الى البعد الوطني الخالص في تصوره للعهد الذي لم يكتب له النجاح.

 
ولا ننسى التقارب الذي حصل اوائل التسعينات من القرن الماضي بين «القوات اللبنانية» وسوريا، وتجلّى ذلك بزيارة رئيس جهاز الامن والاستطلاع للقوات السورية التي كانت منتشرة في لبنان آنذاك اللواء غازي كنعان لغدراس ولقائه قائد «القوات» الدكتور سمير جعجع. وتوّج هذا التقارب لاحقاً بذهاب الاخير الى سوريا لتقديم التعزية للرئيس الراحل حافظ الاسد بنجله الراحل باسل الاسد، ولم يكن دخوله السجن في التسعينات سوى لرفضه ما كان يُطلب منه مِن سَير في التسوية التي رعاها المجتمع الدولي وذلك لأسباب تكتيكية وليس لأسباب تتعلق بـ«اتفاق الطائف» مباشرة، وهو الاتفاق الذي تبنّته «القوات اللبنانية» قولاً وفعلاً. كذلك لا يجب ان ننسى ما حصل من تسوية رئاسية عام 2016 بين خصمين لدودين مع كل ما رافق خصومتهما من دماء وأرواح.

 
صحيح ان «القوات اللبنانية» هي الآن في حالة انتقال من ضفة ترشيح النائب ميشال معوض الى ضفة ترشيح قائد الجيش العماد جوزف عون، إلا أنها تدرك تماماً ان كلام الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله الاخير حول الاستحقاق الرئاسي كان بمثابة «فيتو» لا رجوع عنه» على قائد الجيش، وان المجتمع الدولي المتمثّل اليوم بفرنسا يسعى الى عدم إغضاب «حزب الله» لإدراكه انّ ما من استحقاق يسير في المنحى الصحيح من دون رضى هذا الحزب. ومعلوم ان رادارات الرصد السياسي لدى جعجع متقدمة عن سواها لدى بقية السياسيين بفعل الجالية «القواتية» الهائلة والمتعددة الصفات حول العالم، والتي تمتاز بقربها من مراكز القرار خصوصا في الولايات المتحدة الاميركية.

 
من هذا المنطلق يخطئ من يظن انّ «القوات اللبنانية» ستبقى آخر من يدخل التسوية المتوقعة حول الاستحقاق الرئاسي الحالي، اذ انها تقارب هذا الاستحقاق من الزاوية الاستراتيجية المنبثقة من اللعبة الدولية، خصوصا على خط الرياض ـ واشنطن، اذ انّ هذا الخط هو بمثابة الاوكسيجين السياسي الذي تتنفس «القوات» منه بكل أعماقها ولا يمكن تصور انّ قرارها السياسي سيكون بعيدا من الخيار الذي تأخذه المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الاميركية.
 
على انّ تَماهي «القوات» مع الرؤية السعودية ـ الاميركية يكون بإخراج شكلي منظّم وغير مُستفَز للقواعد الشعبية التي أيّدتها استناداً الى شعارات لا تتصل بالعمل التسووي بأي صلة، فتكون استدارة «القوات» في هذه الحال مدروسة بنحو تكون فيها على شكل خط مستقيم. فإذا عدنا على سبيل المثال الى التسوية الرئاسية مع العماد ميشال عون عام 2016، نجد انّ الاخراج كان في سير «التيار الوطني الحر» بما يُظهِر انه قد تقرّب من «القوات» اكثر من تقرّبها هي منه. وان العودة الى بنود «تفاهم معراب» تُظهِر هذا الامر بنحو جَلي بِغضّ النظر عن تنكّر «التيار» لهذه البنود، والتي نفترض اليوم استحالة تقاربهما بعد المعارك السياسية العنيفة والخطاب العالي النبرة لِمجمل قياديي «القوات» تجاه «التيار» عموماً وتجاه رئيسه النائب جبران باسيل خصوصاً.

 
وثمة من يرى انّ الموقف السعودي اليوم بات اقرب الى التسوية، خصوصا وانه لم يُظهِر على الاطلاق اي اشارة سلبية تجاه رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، وهذا ما يدعو «القوات اللبنانية» التي حاولت استطلاع حقيقة الموقف السعودي في الامر ولم توفّق حتى الساعة، الى التروي ورصد الفرصة التي تستطيع من خلالها التسلل الى كواليس التسوية، ومَن أقرب الى القوات من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تربطه بها علاقات مقبولة تستطيع من خلالها الدخول في نقاش معه حول طريقة مقاربة الملف الرئاسي بأسلوب آخر تحقق من خلاله اربعة اهداف:
 
- الهدف الاول، هو تصفية حساب قديم مع باسيل الذي تنكّر لـ»تفاهم معراب» كل التنكر.
 
- الهدف الثاني، هو التماهي مع الرغبة الدولية الجادة والحثيثة بانتخاب رئيس للجمهورية في اسرع وقت ممكن، بحيث لا تظهر، أي «القوات»، انها المُعرقل لهذه الرغبة تجنباً لدفع ثمن كذلك الذي دفعته عام 1994.

 
- الهدف الثالث، هو خلق «ستاتيكو» مقبول مع العهد الجديد يسمح لها بتكثيف حركتها السياسية على الساحة اللبنانية عموما والمسيحية خصوصا، بحيث تصبح القوة المسيحية الأكثر تمثيلاً في منطقة الشرق الاوسط متجاوزة ما حققه الرئيس ميشال عون في زمن «تسونامي» عام 2005.
 
- الهدف الرابع والذي لا يغيب عن بال جعجع فهو محاولة تحضير الارضية لتولي سدة الرئاسة في العام 2028 حيث تكون فرصته الاخيرة لأنه سيكون على مشارف الثمانين من العمر.
 
إزاء كل ما تقدم لا يمكن استبعاد ان يكون هناك ثمة اتصالات بين الرئيس بري و«القوات»، حتى ولو أنكر الطرفان هذه الاتصالات، خصوصا ان التواصل مع رئيس مجلس النواب بالمفهوم اللبناني يختلف عن التواصل مع «حزب الله»، اذ ان الامر الاول هو طبيعي، فيما الثاني هو حالة استثنائية لا يمكن لـ«القوات اللبنانية» تبريرها، وما حصل في الآونة الاخيرة من لقاء طويل بين حزب الكتائب اللبنانية و«حزب الله» خير دليل الى ذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار الضجة الاعلامية والاحراج اللذين تعرضت لهما القيادة الكتائبية.