إمعان في العقم… واتساع “بلوكات” التعطيل!

محليات | 02-12-2022

قد تكون الانطلاقة غير المفاجئة نوعا ما بالتسعيرة الجديدة للدولار الجمركي من دون صدمات كبيرة بعد خففت وطأة الفصل الثامن من حلقات العقم التي تتسم بها جلسات مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية والتي أضاف اليها عداد الجلسات امس جلسة ثامنة لم تحمل أي مؤشرات جديدة سوى الامعان في العقم العبثي من جهة واتساع “بلوكات” التعطيل حتى على ايدي نواب لا ينتمون الى كتل التصويت بالاوراق البيضاء . وإذ زادت الجلسة قتامة المشهد في ظل الازمة الرئاسية والسياسية المتجهة على نحو واضح الى مزيد من الانسداد لمدة يصعب للغاية وضع حدود زمنية لها ولو من ناحية تقديرية ، بدا بديهيا ان تزداد المخاوف الموازية من تصاعد الاحتقانات السياسية في قابل الأيام نظرا الى توقع جولات سجالية وخلافية في شأن ملفي انعقاد جلسات التشريع النيابية كما جلسات مجلس الوزراء علما ان رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي لم يقرر بعد الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء ولا موعدها بعد فيما برزت معالم رفض “التيار الوطني الحر” لعقد الجلسة واتجاهه الى الضغط على الوزراء الذين كانوا يحسبون عليه كما يعمد الى حشر القوى والكتل المسيحية ولا سيما منها “القوات اللبنانية” في خانة العامل الميثاقي لجعلها ترفض انعقاد الجلسات الحكومية . غير ان اوساط السرايا تقول ان اعلان موعد الجلسة لا يزال مرهونا بالاتصالات التي ما زال يجريها الرئيس ميقاتي مع الاطراف السياسيين، وفي حال قرار توجيه الدعوة سيكون ذلك قبل نهاية الاسبوع المقبل، نظرا الى ان ميقاتي سيغادر الى المملكة العربية السعودية للمشاركة في القمة العربية- الصينية التي تعقد في الرياض يوم الجمعة في 9 الجاري، تلبية للدعوة التي وجهها اليه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.

اما الجلسة الانتخابية الثامنة لمجلس النواب امس فلم تكن اكثر من نسخة إضافية عن جلسات الامعان في العقم والعبث الذي ظهر مجددا في الزج باصوات وتسميات لا صلة لها اطلاقا بالسباق الرئاسي حتى ان مجموعات الأصوات المتشرذمة صارت تشكل واقعيا بلوكات ولو محدودة وصغيرة تتنازع لعبة التعطيل مع الكتلة التي تضم الأوراق البيضاء . وهو امر بات يثير مزيدا من الريبة والشبهة في ما اذا كان المقصود الامعان في تضييع البوصلة الدستورية للاستحقاق او توفير خدمة إضافية للقوى المعطلة لانتخاب رئيس الجمهورية

ووسط هذه الأجواء برز الجانب المعلن حول تطرق الرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي ايمانويل ماكرون في بيانهما المشترك امس الى الملف اللبناني اذ

رحّب الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون باتّفاق ترسيم الحدود البحرية الجنوبية “التاريخي” مع إسرائيل، مؤكّدين “التصميم على مواصلة الجهود المشتركة لحضّ قادة لبنان على انتخاب رئيس للجمهورية والمضيّ قدماً في الإصلاحات الجذرية ” .وإذ أكّد البيت الأبيض، في بيان صدر خلال زيارة الدولة التي يقوم بها ماكرون لواشنطن، “عزم فرنسا والولايات المتحدة على العمل بشكل وثيق لدعم السلام والازدهار في الشرق الأوسط”، ثمّن بايدن “الجهد الفرنسي” في إتمام اتّفاق الترسيم

الشرذمة

وفي مشهد الشرذمة النيابية المتواصل اردادت مع نتائج الفرز في الجلسة الثامنة “فسيفساء” التلاعب بالاصوات وشرذمتها وتوزيعها في حين كان لافتا ان هذا التلاعب رافقه تراجع في عدد أصوات المرشح ميشال معوض بعدما زاد عدد النواب “الممانعين ” بنائبين واستقرت أصوات كتلة الأوراق البيضاء . ورسمت النتائج الصورة المشرذمة على الشكل الآتي: ميشال معوض: 37 ، زياد بارود: 2 ،عصام خليفة: 4، ورقة بيضاء: 52، لبنان الجديد: 9، الثوابت: 1 ، المواقف: 1 ،بشارة أبي يونس: 1، بدري ضاهر: 1، لأجل لبنان: 1 ،لولا دي سيلفا: 1 ،التوافق: 1. وبعد تطيير النصاب من قبل نواب 8 آذار و”التيار الوطني الحر” رفعت الجلسة الى الخميس المقبل

ولم تخل الجلسة من مواجهات كلامية وفيما أكّد عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب أنطوان حبشي أنّ “التعطيل ليس حقًا مكتسبًا والممارسات التي تحصل تضع مجلس النواب خارج إطار دوره”. توجه الى الرئيس نبيه بري قائلًا “القصة عندك لتطبيق الدستور وخصوصاً لأن جزءاً من المعطلين هم أقرب المقربين إليك، ونتمنى عليك دعوة النواب الى البقاء في المجلس لتطبيق الديمقراطية” وتابع: “نعيش حالة خطرة ونتعاطى معها باستخفاف بالغ و”القصة عند حضرتك”. ورد بري قائلا : “انا أكثر الناس حرصاً على إنتخاب رئيس للجمهورية “أمس قبل اليوم” وهذا الكلام لا يُوجه لي”. 

ولفت النائب ميشال معوض بعد الجلسة الى ، أنه ” يحصل طلاق في الجلسات مع الدستور ومع الشعب اللبناني، فهناك انفصام كامل بين جزء من المجلس النيابي وما يعيشه اللبنانيّون، ولا نستطيع الاستمرار بهذه الطريقة”. واعتبر أن “المؤسسات الدستورية لا تعبّر عن متطلبات الشعب اللبناني”، لافتا إلى أن “في المجلس هناك حالة من الانفصام، مسرحيات، تطيير نصاب، أوراق بيضاء، حالة هزلية”. وقال “خسرتُ صوتَين بسبب قرار المجلس الدستوري بغضّ النّظر عن رأيي الخاص، بالإضافة الى خسارة 3 أصوات أخرى، فالصراع بالمجلس واضح بغض النظر عن رقم الاصوات، والنتيجة ليست كافية لخلق ميزان قوة حقيقي”. وأضاف: “اذا هناك حل وطريقة بديلة نحن مستعدون، ولكن بالشعارات لا نصل إلى رئيس اصلاحي وسيادي، وإذا طُرح أيّ رئيس سيادي إصلاحي يُشكّل إمكانية لجمع المعارضة أو لتأمين النصاب فأنا مستعدّ شرط ألا يكون رئيساً غير قادر على التغيير فالمعيار الأساسي هو المواطن اللبناني” . 

الدولار الجمركي

في غضون ذلك وضع قرار الدولار الجمركي على سعر 15000 ليرة حيز التنفيذ، ولم يشهد المستهلكون ارتفاعا دراماتيكيا في أسعار السلع والمواد الإستهلاكية. فالأسواق التي إحتاطت مسبقا للضريبة الجديدة، إستطاعت إمتصاص صدمتها، وأعادت برمجة جداول الرسوم والضرائب مع سعر الكلفة، لتضمن القدرة على المنافسة، والمحافظة على الرأسمال في آن واحد. وهذه البرمجة شملت فقط السلع والبضائع التي تشملها الرسوم الجمركية، فيما لوحظ أنه لم تسجل إرتفاعات ملحوظة على المواد الإستهلاكية، المعفاة كليا أو جزئيا من الرسوم الجمركية، وبقيت أسعار الأدوية والمستلزمات الإستشفائية على حالها. أما الإلتباس الذي وقع فيه بعض المتابعين والمراقبين لتطور الأسعار، كما المواطنين الخائفين من الغلاء وتفلت الأسعار، فمرده إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية ووصوله الى عتبة 41500 ليرة، متسببا بإرتفاع أسعار المستوردات التي يسدد ثمنها بالدولار “الفريش”، وسيتواصل ملاحظة إرتفاعات بطيئة طالما يتحرك سعر صرف الدولار صعودا. واعلنت وزارة الصناعة ان هذا الاجراء لن يطال الآلات الصناعية والموادّ الأوّلية المستوردة لزوم الصناعة والتصنيع في لبنان وبالتالي، لن تتأثّر كلفة المنتَج الصناعي الوطني بالتدبير الجمركي الجديد، وسوف يحافظ على سعره المعتاد المعمول به كما كان سابقاً على أساس الدولار بـ 1500 ليرة. وشددت الوزارة على الصناعيين والتجار والمورّدين والموزّعين الالتزام بعدم تغيير الأسعار تحت ذرائع واهية وحذرت “كلّ من يستغلّ ويتلاعب ويزوّر الأسعار لتحقيق أرباح من غير وجه حقّ، وعلى حساب المواطن المكتوي أصلاً بنيران الغلاء”. 

غراندي في بيروت

في سياق اخر طالب الرئيس ميقاتي المجتمع الدولي بالتعاون لانهاء أزمة النزوح السوري التي تضغط على لبنان على كل الصعد . وأبلغ الى المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي الذي التقاه امس كما جال على الرئيس بري ووزيري الصحة والبيئة “وجوب تنسيق المفوضية وسائر المنظمات الدولية المعنية مع الحكومة اللبنانية عبر أجهزتها المختصة لحل هذه المعضلة، لانه لا يجوز أن يبقى هذا الملف ورقة تضغط على الواقع اللبناني، في وقت لم تعد للبنان القدرة المالية والخدماتية والسياسية على تحمل تداعيات هذا الملف”. وشدد على أن الاولوية في هذه المرحلة هي لاعادة النازحين السوريين تباعا الى بلادهم بعد استقرار الاوضاع في سوريا”.

واكد غراندي ” تقديرنا الكامل للتحديات الهائلة التي تعانيها البلاد في هذا الوقت، وفي هذا الإطار فإن استضافة مئات ألوف السوريين وغيرهم من اللاجئين هو مسؤولية ضاغطة جدا على البلد”. وقال انه عبر مع المنسق الخاص للأمم المتحدة “ان الأمم المتحدة ستستمر في دعمها، بما في ذلك الدعم الإنساني للشعب اللبناني وكل من يعيش في البلاد، وستزيد دعمها للشعب اللبناني”. اضاف “ان المفوضية السامية لحقوق الانسان مسؤولة عن اللاجئين ونحن نواصل حشد الموارد الدولية لهم وللأشخاص الذين يرغبون منهم في العودة إلى سوريا، وهناك دفعات عادت منذ أسابيع، ونحن نواصل تقديم الدعم لهم”. وقال “نحن نقدر احترام لبنان للعودة الطوعية لسوريا وهو جانب مهم من هذه العملية كما نعمل مع الجانب السوري ومع الحكومة السورية على إزالة العوائق الجدية التي تراكمت على مر السنين والتي تمنع الناس من العودة. حققنا بعض التقدم ولكن لا يزال هناك المزيد من العمل من أجل أن يكون الناس واثقين من اتخاذ القرار بالعودة”.