إن كانت دعوة «الثنائي» الى الحوار انتخاب فرنجية

يستطيع «الثنائي الشيعي» المُمسك بالنصاب القانوني للمجلس النيابي لأي دورة انتخابية تلي الجلسة الاولى لانتخاب الرئيس ان يستمر في تعطيلها. فأكثرية الثلثين المطلوبة بداية لانتخاب الرئيس غير متوافرة و»الأكثرية المطلقة» للدورة الثانية ليست مضمونة ايضاً. وعليه، فإنّ دعوته الى الحوار توصّلاً الى الرئيس «التوافقي» تبطّن امراً آخر لم يعد كشفه مستغرباً. فهل انّ المطلوب انتخاب مرشحه سواء كان الوزير السابق سليمان فرنجية او غيره؟ وما الذي يقود الى هذه النتيجة؟

منذ ان أطلق الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله في خطابه قبل اسبوعين لائحة المواصفات المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية الذي يريده الحزب، اعتقد البعض انّ المواجهة اقتربت من ان تنتهي بين المرشح ميشال معوض و»الأوراق البيض» لتنتقل فتتحوّل بين أبناء المدينة الواحدة لمجرد انّ المرشح المقصود هو رئيس تيار «المردة» الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية، ان كان المرشح نفسه الذي يتبنّاه الجناح الثاني من هذه الثنائية رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لم يخف سَعيه العلني لإيصاله الى قصر بعبدا من دون سواه حتى اليوم.

 

كان ذلك متوقعاً قبل ان يمر الخطاب من دون ذكر أيّ «اسم علم» لمرشح الحزب، ولما دخل في التفاصيل مسترسلاً في شرح المواصفات المطلوبة للرئيس حاصرا إيّاها بعناوين محددة. فقال انه مِمّن يأمن له من اجل «حماية المقاومة وعدم طعنها في الظهر» والتثبّت من قدرته على «مواجهة الضغوط الاميركية فلا يخشاها عند اول استحقاق» و»أن لا يباع ولا يشترى»، اعتقدَ البعض انه وَسّع من هامش مرشحيه، وانه قد يكون له مرشح آخر وليس فرنجية فحسب، وتحديدا عندما قدّم نموذجين لما أراده كمثل كل من الرئيسين السابقين اميل لحود وميشال عون في أدائهما.

 

وقبل ان يُكشَف عن الهدف من زيارة مسؤول الأمن والارتباط في الحزب وفيق صفا لقائد الجيش العماد جوزف عون في ظروف مُلتبسة تَلت خطاب السيد نصرالله، عدّت الزيارة بأنها رسالة مباشرة وسريعة الى رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل العائد من باريس نظراً الى توقيتها بعد تسريب التسجيل الصوتي عن مجريات العملية الانتخابية، شاهِراً معارضته لفرنجية ومؤكدا أن الحزب «لا يمون عليه»، وساد الاعتقاد انّ زيارة صفا لقائد الجيش تحتمل قراءتين على الأقل، وهما:

 

- الاولى تقول ان السيد نصرالله استبعد قائد الجيش مجددا، لمجرد حديثه عن رفضه لأيّ مرشح ممّن يستمع الى النصائح الاميركية في وقت لا يبدو ان الجيش يحظى بدعم تقني ومادي وعسكري بالحجم الذي ناله وما زال من «القيادة الاميركية الوسطى» وواشنطن مباشرة. وان وجد هذا الدعم من دول اخرى، كقطر والامارات العربية المتحدة او فرنسا وايطاليا، فهو لا يوازي في اهميته حجم الدعم وخصوصاً التسليح الأميركي للجيش.

 

- أمّا القراءة الثانية فقد برزت بعد الاولى بأيام قليلة بهدف تصحيح الاجواء السلبية التي قاد إليها التفسير الأول بعدما توسّعت في تفسيرها المصادر القريبة من الحزب وبيئته الاعلامية والحزبية، فقالت انّ الزيارة كانت بهدف تهنئة قائد الجيش بعيد الاستقلال وانه ليس صحيحاً انّ الحزب يضع «فيتو» على قائد الجيش ان تم التوافق عليه رئيساً للجمهورية أيّاً كانت الظروف الدستورية التي تحول دون الإخراج السياسي لهذه العملية. فالسوابق تسمح للمجلس النيابي في حال تحقّق الإجماع المطلوب لانتخابه كما انتخب العماد ميشال سليمان من قبل. أي وبكل وضوح من دون تعديل المادة 49 من الدستور التي تحظّر انتخاب الموظفين الكبار من دون استقالتهم المبكرة من مواقعهم بمهل محددة.

 

عند هاتين القراءتين وما توحي بهما من نظريات متداولة، يتجاوز المعارضون لتوجهات الحزب الرئاسية ومن خلفه «الثنائي الشيعي» هذه المعطيات، ويعتقدون انها من الملاحظات السطحية التي لا تحتمل التوقّف عندها. فالمواجهة القائمة اليوم محكومة بظروف ومعطيات مختلفة إن لم تكن متناقضة الى حد بعيد. وتضيف: «ليس في ما سبق من تفسير لإصرار الثنائي على تعطيل الانتقال الى الدورة الثانية ما يشير الى هذه الأسباب فحسب، وأن الحزب اليوم في «ورطة حقيقية» وهو مُحرج لأنه لم يستطع حتى هذه اللحظة توحيد صفوف حلفائه وحلفاء الحلفاء ليضمن وصول مرشحه الى رئاسة الجمهورية سواء كان فرنجية او عون لا فرق.

 

وظهر جلياً انّ الثنائي قد قرّر المواجهة وحيداً منذ أن استغنى في الجلسة الثالثة من مسلسل حلقات الخميس لانتخاب الرئيس عن أي قوة نيابية أخرى. ولم يعد يطلب دعم احد منهم المساهمة في تطيير النصاب. ومن يعود الى وقائع الجلسات الاربع الاخيرة يلاحظ انّ نواب الثنائي وقبل ان يكتمل عَدّ أعضاء هيئة مكتب المجلس واميني السر الأصوات للفرز بين ما ناله معوّض عن الأوراق البيض والأسماء والشعارات الاخرى، يكونون قد اصبحوا خارج القاعة العامة، حتى انّ بري في الجلسة السابعة الاخيرة رافَقهم قبل ان يعلن انّ النصاب بات مفقودا، وقبل ان يختم الجلسة ويطلب تلاوة محضرها، الى أن تدارَك الامر فوَجّه الدعوة من على باب القاعة الى الجلسة الثامنة يوم الخميس المقبل في 1 كانون الأول المقبل.

 

عند هذه المعطيات والمؤشرات تتوقف التوقعات في شأن الجلسة المقبلة بعد غد، فالمراوحة ما زالت قائمة ومعها المواجهة بين معوض والأوراق البيض وبعض الاسماء المتفرقة من دون اي تعديل مرتقَب. فالاجواء لا توحي بأي تبديل إن كان السعي ما زال قائماً لتقديم عرض جديد لمعوض قد تقترب اصواته من الخمسين وما فوق في عرضِ قوة يؤدي تدريجاً الى احراج أصحاب الأوراق البيض المترددين في الكشف عن مرشّحهم علناً، وان مجرّد وجود ورقة واحدة باسم فرنجية في الجلسة السابعة لا يعطي اي مؤشّر على اي تغيير مُحتمل. فالحزب ما زال يجهد لضمان النصف زائداً واحداً لفرنجية على غرار الأكثرية التي نالها رئيس مجلس النواب نبيه بري او نائبه الياس بوصعب ان توافرت هذه النتيجة قد يبرز مُعطى جديد لينطلق البحث في طريقة ضمان الثلثين إن بقيت المعادلة قائمة على هذا الصعيد.

 

ووسط هذه المقارنة يعتقد أحد العارفين ببواطن الامور انه عند تأمين الحزب الأكثرية المطلقة لفرنجية سينطلق البحث جدياً عن «نصاب الثلثين»، ولربما لَبّى طلب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ويتوقّف عن تعطيل النصاب للدورة الثانية على رغم من حجم المخاطرة بهذه الخطوة. وإن صَحّ ذلك وفق حسابات الحزب الدقيقة ولم يتنبّه لها المطالبون بإسقاط «أكثرية الثلثين» من حسابات النصاب، قد لا يتردد الثنائي في إعادة استنساخ تجربة جد فرنجية الرئيس الراحل سليمان فرنجية على منافسه الياس سركيس بصوت واحد، فيجدد التاريخ نفسه بعد نصف قرن