هل من احتلال إيراني؟

هناك من يصنِّف دور «حزب الله» بالاحتلال الإيراني للبنان، فهل هذا التصنيف في محله؟
ليس خافياً على أحد بأنّ «حزب الله» هو ذراع عسكرية إيرانية في لبنان، والترجمة الأولى للثورة الإيرانية التي ترتكز على عنصري الدين والسلاح. ولا يخفي الحزب أساساً بأنّه إيراني المنشأ، وانّ تمويله وتسليحه وتدريبه وقراره الاستراتيجي في طهران. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن استخدام مصطلح الاحتلال الإيراني على ذراع إيرانية هويتها لبنانية ولا وجود لدبابات وجيش إيراني في لبنان على غرار الجيش السوري؟ وهل هناك مصلحة في هذا التصنيف؟
القول بالاحتلال الإيراني أو عدمه لا يقلِّل من الدور السلبي لـ»حزب الله» الذي يحول دون قيام دولة فعلية، ويُبقي لبنان ساحة صراعات وحروب وعدم استقرار، فضلاً عن انّ السبب الرئيس للأزمة اللبنانية منذ خروج الجيش السوري من لبنان يتعلّق بسلاح هذا الحزب ودوره. ولكن الاحتلال تصنيفاً يعني انّ كل مفاصل الدولة ممسوكة من قِبله على غرار الاحتلال السوري بين عامي 1991 و2005، حيث لم يكن هناك أي مساحة رئاسية أو حكومية أو برلمانية أو سياسية أو عسكرية أو أمنية أو قضائية أو إدارية إلّا وتأتمر بأوامر دمشق، من عنجر والبوريفاج، فيما «حزب الله» عاجز اليوم عن تغيير المحقِّق في تفجير المرفأ، رغم التهديد والوعيد وتعطيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في مطلع انطلاقتها، وغير قادر على تأليف حكومة سعى إليها بالصوت والصورة والفعل والضغط، لتكون بمثابة هدية للرئيس ميشال عون عشية مغادرته للقصر الجمهوري، ولا يستطيع انتخاب رئيس للجمهورية، فيما كان يكتفي الرئيس حافظ الأسد بتسريب خبر في صحيفة عربية بأنّه مع انتخاب فلان ليتُّم انتخابه، ولائحة الأمثلة تطول..

ولا حاجة للتأكيد بأنّ «حزب الله» تحوّل إلى المشكلة اللبنانية الرئيسية بعد خروج الجيش السوري من لبنان، ولكن هذه المشكلة كان يمكن تطويق انعكاساتها لولا تحالفاته السياسية مع فئة يمنحها السلطة وتمنحه الغطاء لسلاحه، ولولا خشية بعض النفوس الضعيفة من سلاحه، والدليل انّه اضطر إلى استخدام سلاحه في أيار 2008، بعدما اصطدم بواقع رفض الخضوع لهذا السلاح، على رغم الاغتيالات وإقفال وسط بيروت وحصار السرايا الحكومية..


فالثورة الإيرانية في لبنان هي كالثورة الفلسطينية في الحرب، تسيطر على جزء من الأرض والدولة وليس على كل الأرض والدولة. والثورة الفلسطينية لم تتمكّن من احتلال لبنان، إنما أدّت إلى تفكيك الدولة اللبنانية وتعطيلها. والثورة الإيرانية لم تتمكّن من احتلال لبنان، إنما نجحت في منع قيام الدولة الفعلية وتعطيلها، ولا يجوز تيئيس الناس بمفاهيم ومصطلحات تضخِّم وتنفُخ بأدوار بعيداً من الواقع والحقيقة.

ولا خلاف طبعاً بتوصيف دور «حزب الله» المعطِّل لقيام الدولة والحائل دون تطبيق الدستور والمعتدي على الميثاق والناسف مبدأ المساواة، ولا خلاف أيضاً بتشخيص مشروعه الذي لا علاقة له بلبنان، وهدفه تغيير هويته والقضاء على تجربته واستبدال دوره ونسف مرتكزاته، كما لا خلاف بأن لا حلّ للأزمة اللبنانية قبل ان يسلِّم الحزب سلاحه للدولة. ولكن الحزب كان يطمع بأن يرث الدور السوري، وان يكون قوة احتلال شأنه شأن الاحتلال السوري، إلّا انّه لم يتمكّن من تحقيق هذا الهدف، ولن يتمكّن طالما انّ هناك قوى سياسية تقف في مواجهته. وما حصل في العراق، مع الإطباق الإيراني المتجدِّد على القرار العراقي من خلال إزاحة رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي لمصلحة محمد السوداني، لا ينسحب على لبنان.


فلم تنجح إيران في استرداد زمام المبادرة في العراق، بعد أكثر من سنتين ونصف السنة على الانتكاسات التي أصابت نفوذها العراقي، سوى بعد خروج مقتدى الصدر من الحياة السياسية، ولو لم تستقل كتلته من مجلس النواب كخطوة أولى، وإعلانه اعتزال العمل السياسي كخطوة ثانية، لما تمكنّت طهران من وضع يدها على بغداد. وطالما انّ هناك قوى سياسية في لبنان ليست في وارد الاستسلام ومصرّة على المواجهة من مربّع الدولة والمعارضة، لن يتمكّن «حزب الله» من الإطباق على القرار اللبناني. وكل الكلام عن مقايضات وصفقات وتلزيم، سقط إلى غير رجعة، ولكن المسؤولية الأولى والأخيرة تبقى على عاتق اللبنانيين.


وبالعودة إلى السؤال، هل هناك مصلحة في تصنيف دور «حزب الله» بالاحتلال الإيراني؟ وفي الإجابة يمكن القول انّ الإيجابية الأساسية على هذا الصعيد تكمن في السعي إلى تحسين ظروف المواجهة مع الحزب، من خلال تحميل المجتمعين العربي والدولي مسؤوليتهما حيال بلد موجود تحت الاحتلال، وبأن لا يُترك وحيداً في مواجهة مع دولة إقليمية تتدخّل في شؤونه. إذ لولا الدعم الإيراني العسكري والمالي والسياسي لـ»حزب الله» لكانت تبدلّت الصورة في لبنان، وبالتالي على عواصم القرار ان تتحمّل مسؤوليتها في مواجهة طهران، لأنّه ليس باستطاعة اللبنانيين مواجهة دولة بهذا الحجم، فيما يفترض بالمجتمع الدولي ان يتكفّل بالمواجهة مع إيران، والشعب اللبناني يتكفّل بدوره بالمواجهة السياسية مع الحزب.

ولكن الجانب السلبي جداً في تصنيف دور «حزب الله» بالاحتلال الإيراني يكمن في محاولة رفع المسؤولية عن اللبنانيين ووضعها على الخارج، وكأنّ لا مشكلة داخلية، وكل المشكلة تكمن في أطماع الخارج بلبنان، فيما دور هذا الخارج هو نتيجة لانقسامات الداخل، وتوفير بعض هذا الداخل الغطاء والممر للتدخّلات الخارجية. فهل كان يمكن للثورة الفلسطينية ان تتسلّح وتتمدّد لولا وجود بيئة لبنانية حاضنة لهذه الثورة؟ وهل كان يمكن للجيش السوري ان يبسط احتلاله بقرار رسمي وضوء أخضر خارجي لولا وجود بيئة لبنانية كانت تعتبره داخل بلده الثاني وتصنِّفه بالوجود الأخوي لا الاحتلالي؟ وهل كان يمكن لإيران ان تلعب دوراً مؤثراً على الاستقرار اللبناني لولا وجود بيئة لبنانية حاضنة للتوجّهات الإيرانية؟


فخطورة هذا التشخيص للأزمة اللبنانية انّه يرمي المسؤولية دائماً على الآخرين، فيما المسؤولية الأولى والأخيرة هي على اللبنانيين، حيث انّ أزماتهم المتتالية هي داخلية بامتياز قبل ان تكون فلسطينية وإسرائيلية وسورية وإيرانية. وبالتالي، صحيح انّ «حزب الله» هو ذراع إيرانية عسكرية قرارها الاستراتيجي في طهران، ولكن هوية عناصره لبنانية وتحالفاته التي تؤمّن له الغطاء السياسي لبنانية.

وأهمية التشخيص الواقعي لطبيعة الأزمة اللبنانية انّه يقود إلى معالجة صحيحة وصريحة لهذه الأزمة، باعتبار أنّ التشخيص الخاطئ يقود إلى حلول خاطئة. فالأزمة اللبنانية المتمادية منذ أكثر من خمسة عقود هي لبنانية بامتياز ومعالجتها لا تكون بتحميلها لدمشق في الأمس وطهران اليوم، إنما تكون من خلال كلام واضح وصريح بأنّ مفهوم «العيش معاً» له قواعد وشروط، وفي طليعتها الاتفاق على مبادئ وثوابت ومسلّمات مشتركة، تفسح في المجال أمام قيام دولة وعدالة وحرية ومساواة وشراكة واستقرار وازدهار، وفي حال لم تتوفّر هذه القناعات المشتركة، واستمرت محاولات الإلغاء والتذويب يتحوّل «العيش معاً» إلى غطاء لتغيير هوية لبنان.


وعلى رغم حقبات الانقسام الحادة والدموية، نجح اللبنانيون في تجاوزها وتجديد الميثاق بين بعضهم البعض، ولكن ما أظهرته الممارسة انّ هناك محاولات دائمة من فئة تسعى لقلب الأوضاع لمصلحتها على حساب الفئات الأخرى، والمحاولة الأخيرة يقودها «حزب الله» الذي يفرض توجّهه بالقوة على سائر اللبنانيين.

إنّ إدارة المجتمعات التعددية لها قواعدها وأصولها، تبدأ من الإقرار بهذه التعددية، ولا تنتهي بالكفّ عن السعي إلى إلغاء التعددية لمصلحة أحادية، وصولاً إلى ضرورة اتفاق المجموعات المكونة لهذا البلد على المساحات الأساسية المشتركة وفي طليعتها الدولة والدستور والسلاح الواحد. وفي حال تبيّن وجود استحالة لاتفاق هذه المجموعات على تصور مشترك للبنان، فالحلّ هو بالفصل الوطني لا الوصل الوطني الذي سقط بالتجربة. والحلّ يبدأ بالكفّ عن تصوير المشكلة خارجية، والإقرار بأنّ المسؤولية لبنانية بامتياز، والدفع باتجاه الفصل حفاظاً على التجربة اللبنانية، لأنّ الوصل القائم سيطيح هذه التجربة، والفصل يكون على قواعد وطنية وليس طائفية أو مذهبية، أي انّ كل مجموعة تتقاسم مع بعضها القيم المشتركة نفسها تعيش منفصلة عن المجموعة الأخرى، في ظل الخلاف القائم في الرؤية والمشروع والسياسة والثقافة والنظرة إلى الدولة والانسان والحياة.