موقف سياسي لم يتّخذه عون... كان غيّر "المسار"

من المبالغة القول إنّ ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون التي تنتهي الاثنين في 31 تشرين الأول الجاري، وحدها سبب الخراب، لكن للتوقيت كلمته، وسيُسجّل التاريخ أنّ الانهيار شبه الشامل حصل في عهده.

على مستوى «حقوق المسيحيين» الشعار الذي حمله عون، سيسجّل التاريخ، بحسب معارضي العهد، أنّ «الرئيس القوي» لم يتمكّن من تأمين أيّ من حقوقهم سوى عرقلة توظيف مأموري الاحراج. وفي عهده تعاظمت هجرة المسيحيين أو تهجيرهم وسُرقت ودائعهم وجنى أعمارهم وخسروا أعمالهم ودُمّرت قطاعاتهم التربوية والاستشفائية. كذلك سياسياً، لم يعمد الرئيس الذي يحوز أكبر حيثية تمثيلية مسيحية، الى جمع الزعماء المسيحيين أو تمكّن من مصالحتهم، بل تعمّق الشرخ بينه وبينهم فكان الرئيس المسيحي الذي لا يزوره المسيحيون بل على خلاف دائم معه، ويعتبرون أنّه رئيسٌ لفريق وليس لجميع اللبنانيين، وأنّه استأثر في عهده بالحصص المسيحية في الوزارات والتعيينات لتياره السياسي دون سائر المسيحيين.

هذا ولم يتمكّن عون، بحسب معارضيه، من التقدُم خطوةً إلى الامام في المطلب الابرز والدائم للمسيحيين: تعزيز سلطة الدولة. فانتظر المسيحيون من الرئيس استثمار علاقته مع «حزب الله»، لطرح موضوع السلاح والحدّ من تأثيره، إقفال المعابر غير الشرعية وضبط تلك الشرعية، تعزيز إيرادات المطار والمرفأ وكلّ مرافق الدولة، طرح الاستراتيجية الدفاعية، وتعزيز علاقات لبنان مع الخارج.

فكانت نتيجة ممارسة عون معاكسة: عزلة وتمدُّد مظاهر الدويلة وتقهقر الدولة ومؤسساتها وتفاقم التهريب الى سوريا خلال الأزمة... وفي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، لم تظهر «مونة» الرئيس على «الحزب»، ولم يتمكّن من منع عرقلة التحقيق، على رغم أنّ هذا الانفجار دمّر «مناطق مسيحية». وفي «أحداث الطيونة» لم يلجم عون هجمة «حزب الله» بل حاول تحميل جعجع مسؤولية «دفاع» أهل المنطقة عن أنفسهم، بحسب ما ترى جهات سياسية مسيحية معارِضة عهد عون.

المؤيدون للعهد يعتبرون أنّ هذا «افتراء» على الرئيس. ويعدّدون الإنجازات التي تحققت في عهده، على رغم ممانعة «المنظومة»، ومنها على مستوى «حقوق المسيحيين»: إقرار قانون انتخاب يحقّق التمثيل الصحيح وتكريس صلاحيات الرئيس الدستورية. وعلى مستوى العلاقة مع «حزب الله»، يقول عضو تكتل «لبنان القوي» النائب سيمون أبي رميا: «تحدثنا كـ»تيار» عن أخطاء «حزب الله» وطرحنا خلافاتنا معه علناً ومنها العلاقة مع دول الخليج، لكن يجب الفصل بين الرئيس و»التيار»، فالرئيس ليس حزباً بل حاضناً للجميع، ومن صلب مهماته الدستورية أن يكون الحَكم والحاكم. وإذا كان لديه ما يقوله لـ»الحزب» يبلغه إليه مباشرةً وليس من خلال الإعلام».

ويضيف: «إذا كان هناك اعتبار أنّ «حزب اللّه» عطّل التحقيق وأراد «تطيير» المحقق العدلي في جريمة المرفأ، فمن حمى القاضي طارق البيطار هو الرئيس عون بتشديده على بقاء القضاء مستقلاً وعدم السماح بالتدخلات في عمله». أمّا سبب عدم طرح عون موضوع الاستراتيجية الدفاعية، فهو المشكلات التي حصلت في سنوات العهد، فـ»لم يعد هذا الموضوع أولوية»، بحسب ابي رميا.

إزاء ذلك تعتبر مصادر معارضة أنّ الأساس هو الموقف السياسي، وهو الذي كان مطلوباً من عون ولم يتخذه. فالسؤال المركزي هو: لماذا «حزب الله» الذي يملك ترسانة من السلاح وجيشاً ودوراً إقليمياً، يتمسّك بالمؤسسات الدستورية ومشاركته في الحكومة وأن يكون رئيس الجمهورية حليفاً له، فيما أنّ أحداً لن يشن عليه حرباً أو يتخذ قرار نزع سلاحه بالقوة؟

تمسُّك «حزب الله» هذا، مرده، بحسب هذه المصادر، أنّه يريد غطاءً شرعياً لسلاحه غير الشرعي. وهذا ما مدّه به عون، فهو كان في حالة تواطؤ وغض  طرف عن كلّ ما يتعلّق بـ»حزب الله» ودوره. فيما كان يكفي لرئيس الجمهورية أن يؤكد في مفاصل أساسية أنّ ما يقوم به «الحزب» مرفوض. أن يقول في كلّ مرة يطلق «حزب الله» مسيّرة، إنّ هذا الفعل ليس من مسؤوليات هذا الفريق السياسي. ويكفي عندما يتهجّم الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله على السعودية أن يقول الرئيس إنّ هذا التهجم يعبّر عن رأي «الحزب» وليس الدولة اللبنانية. وعندما يحاول «حزب الله» وضع فيتو على قرارٍ ما أو مقاطعة مجلس الوزراء أو الاستقالة من الحكومة، أن يقول الرئيس إنّ هذا التصرف خارج إطار المؤسسات الدستورية وهذا استخدام لمذهبية سياسية على حساب الشراكة الوطنية. ويكفي أن يؤكد ويتابع إقفال المعابر غير الشرعية وضبط الشرعية منها...

وبالتالي ما كان مطلوباً من عون، بحسب هذه الجهات المعارضة، الموقف السياسي، وهذا ما لم يمارسه، وما كان متوقعاً منه انطلاقاً من كونه قائداً سابقاً للجيش ومن حيثيته التمثيلية على المستوى المسيحي ومن أنّه رئيس كتلة نيابية مسيحية كبيرة، إضافةً الى أنّه يختتم حياته برئاسة الجمهورية. إنطلاقاً من كلّ هذه العوامل كان يجب على عون أن يحكم كرئيس للجمهورية وليس كرئيس لفريق وطرف وأن ينفّذ «وثيقة مار مخايل» بدلاً من «وثيقة الوفاق الوطني». إلّا أنّ «الرئيس القوي» آثر أن ينأى بنفسه عن كلّ ما يتعلّق بـ»حزب الله»، وهذا النأي بالنفس أدّى الى ما وصلت إليه الدولة من عزلة وانهيار.