باسيل و"الحزب" و"الإبتزاز" المتبادل على طريق بعبدا

إستطاع «حزب الله» توحيد الحلفاء المسيحيين في الشكل في أول جلسة لإنتخاب رئيس للجمهورية بإجبارهم على التصويت بورقة بيضاء، في حين أن الأهم إبرام إتفاق رئاسي بينهم.

زاد سلوك رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية من الضبابية التي تحيط بالإستحقاق الرئاسي، فهو إذ أكّد في إطلالته التلفزيونية الأخيرة أنه مرشّح طبيعي للرئاسة ويسعى للوصول إلى كرسي الحكم بغضّ النظر عن موقف رئيس «التيار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، إلا أنه إلتزم بموقف «حزب الله» الذي تمثّل بالتصويت بورقة بيضاء في أول جلسة إنتخابية.

أكثر ما يتميز به فرنجية هو الواقعية السياسية، فالأخير شدّد على أن جزءاً من قرار تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان وقائد الجيش موجود خارج الحدود، في حين أن حراك دار الفتوى والسفارة السعودية قد خفّض من فرص فوز فرنجية، خصوصاً وأن عضو كتلة «الإعتدال الوطني» النائب وجيه البعريني الذي كان أكثر المتحمسين لإنتخاب فرنجية أكد أن السعوديين لم يدخلوا بالأسماء ولم يبلغوه أن هناك «فيتو» على فرنجية، لكنه أشار إلى أن موقفهم معروف من المحور الذي ينتمي إليه فرنجية.

وفي هذه الأثناء، لا يزال باسيل يستغل التقاطعات الحاصلة، فهو زار دار الفتوى بعد الإجتماع السنّي، لكنه على المقلب الآخر لا يزال يمضي في ابتزاز «حزب الله» الذي يتريث في إعلان دعمه لفرنجية، ومن جهة ثانية يستفيد من «الفيتو» الذي تضعه المعارضة على انتخاب رئيس كفرنجية، وبذلك يُصبح باسيل ممراً إلزامياً لـ»حزب الله» وفرنجية، فهو على الأقل حافظ على دور «صانع الرؤساء» إذا لم يستطع أن يكون الرئيس.

وإذا كان «حزب الله» راعى باسيل في أول دورة إقتراع، إلا أن هذا الإبتزاز لـ»الحزب» لن يدوم إلى أبد الآبدين، فباسيل الذي استبق جلسة الإنتخاب وأكد أنه لن ينتخب فرنجية، أعاد بالتالي التأكيد على دوره وبأن «الحزب» لا يستطيع أن يمرّ مرور الكرام على موقف باسيل أو يتجاهله حتى لو نال فرنجية 65 صوتاً، مجمّعة من حلفاء «الممانعة» ومن كتلة «اللقاء الديموقراطي» وقدامى «المستقبل» والجو السنّي القريب من الرئيس سعد الحريري.

وإذا كان ظاهر الأمور يدل على أن باسيل يبتز «حزب الله»، إلا أن العمق يوحي بشيء آخر مختلف تماماً، وفي السياق، فإن «حزب الله» من أكثر الأحزاب والقوى براغماتية ويتأثر بمواقف دول الخارج وعلى رأسها إيران.

ويبدو واضحاً أن غياب باسيل عن الترشح سيجعل «حزب الله» يعمل حكماً على تأييد فرنجية لأسباب عدّة أبرزها وقوفه إلى جانبه ضدّ الجميع، وفي هذه الحالة حسم مبكر لموقف «الحزب»، وإذا لم يستطع إيصاله إلى بعبدا، فهذا الأمر يمثل ضربة لنفوذ «حزب الله».

ومن جهة ثانية، فإن «حزب الله» لا يستطيع حسم موقفه الرئاسي باكراً قبل جلاء صورة المفاوضات الأميركية - الإيرانية ومسألة ترسيم الحدود، فإذا التزم «حزب الله» بفرنجية وأتت نتائج المفاوضات إيجابية وأدت إلى تسوية إنتخاب رئيس مثل «بروفيل» قائد الجيش العماد جوزاف عون، فإن «حزب الله» مجبر على التراجع عن دعم فرنجية، وإلا سيشكل عقبة في وجه الإتفاق الإقليمي والدولي.

وأمام كل هذه العوامل، يستفيد «حزب الله» من موقف باسيل غير الداعم لفرنجية ويستعمله لتأخير حسم قرار دعمه واستعمال الورقة البيضاء ريثما تنجلي الصورة الإقليمية والدولية، وبالتالي فمثلما يبتز باسيل «حزب الله»، فإن «الحزب» يستعمل باسيل لينقذه من الإحراج وحسم موقفه الرئاسي إلى حين مجيء كلمة السرّ الإيرانية... وبها يسير ويُسيّر باسيل وفرنجية والحلفاء وِفقاً لمقتضياتها.