الوضع التعليمي لأولاد العسكريين يصيبهم بالأرق... صرخة دركي: ماذا تريدونني أن أفعل؟ هل أسرق أو أذهب إلى نوح زعيتر؟

الكاتب: لوسي برسخيان في إحدى مدارس زحلة الخاصة، كان والد لثلاثة تلاميذ يخوض مطلع الأسبوع، جدلاً طويلاً مع رئيسة المدرسة، محاولاً أن يشرح لها إستحالة قدرته كعسكري في سلك قوى الأمن الداخلي على تأمين المبلغ الذي حددته إدارة المدرسة للقرطاسية بالدولار، كشرط أساسي لقبول إلتحاق أولاده بالعام الدراسي. يعرف الوالد أنه ليس وحده في هذه الأزمة، ولكنه بدا كمن يحاول أن ينقذ نفسه من الغرق بمزيد من الديون، بعد ما تكبّده من ثمن للكتب والمستلزمات الدراسية، وقد سعّرت كلّها بالدولار، مقرراً بذلك المواجهة باسم العشرات من زملائه العسكريين، الذين بات الحمل ثقيلاً جداً عليهم هذا العام، بعدما حدّدت القوى الأمنية سقفاً واحداً للمساعدات التربوية بالليرة اللبنانية، أياً كان القسط المفروض من المدارس، ومن دون أن تأخذ في الإعتبار الزيادات التي طرأت على الأقساط، ولا المبالغ التي سيتوجّب على الأهل دفعها لصناديقها الداعمة من خارج هذه الأقساط.

ممّا قاله الرجل بصوت مرتفع «أنا عنصر عادي في قوى الأمن الداخلي، دخلي محدّد وبالكاد يكفيني لأطعم أولادي. إضطررت للعمل من السابعة مساء حتى السابعة صباحاً بعمل حرّ خلافاً للقوانين، ومع ذلك لن يتجمع لدي في نهاية الشهر ثمن القرطاسية، فماذا تريدونني أن أفعل، هل أسرق أو أذهب إلى نوح زعيتر؟».

تقول زوجة مؤهل في قوى الأمن إنها خاضت نقاشاً مشابهاً أيضا مع إدارة مدرسة أولادها أيضاً، وحاولت إستعطافها بالأحوال الإستثنائية للعسكريين ووجوب تأمين الإعفاءات لأولادهم من بعض المترتبات المالية، أقلّه تلك المحددة بالدولار، إلّا أن الجواب على محاولاتها كان بأن لا إستثناءات بالنسبة إلى الأقساط المدرسية ومتفرّعاتها.

في المقابل، يبدو أن التعثر الذي تواجهه إدارات بعض المدارس لدى ذوي تلاميذها، تسبّب ببلبلة كبيرة في مطلع العام الدراسي، وخصوصاً بالنسبة إلى المدارس التي إعتبرت أقساطها متناسبة مع مداخيل العسكريين سابقاً.

ومن هنا تقول رئيسة إحدى المدارس، «إنه لا يمكننا أن نكون صارمين الى الحد الأقصى في المترتبات التي حدّدناها، لأن ذلك يضع المدرسة تحت تهديد الإقفال مع الوقت إذا غادرها التلاميذ». ومن هنا تحاول الإدارات كما تشرح أن تتشدد في المساواة بين الأهالي، إلى أن تلمس إستحالة فعلية، وعندها تقول رئيسة المدرسة «نحاول أن نجد البديل في مكان آخر، ربما من خلال مساعدات أو غيرها». علماً أن الأمر محفوف بصعوبات هذه السنة، فالأحزاب والسياسيون الذين أبدوا حماساً كبيراً لتسديد أقساط التلاميذ في العام الماضي، تراجعت همّتهم هذه السنة مع انتهاء موسم الانتخابات، وطالما أنه لا انتخابات فهذا يعني أن لا مساعدات من قبلهم، ما يجعل مصدر المساعدة الوحيد للتلاميذ المتعثرين في زحلة تحديداً حتى الآن، من خلال لجنة المساعدات المدرسية التي تشكّلت تحت مظلة بلديتها.

ولكن قضيّة أولاد العسكريين المطروحة تتخطّى زحلة الى جميع المدن اللبنانية. ولا يبدو حتى الآن أنها ستمرّ بسلاسة هذا العام. وخصوصاً بالنسبة إلى العاملين في سلك قوى الأمن الداخلي، والذين تسلل الى أوساطهم نوع من النقمة مما يعتبرونه غبناً لاحقاً بهم يفوق ما يعانيه زملاؤهم في الأسلاك العسكرية الأخرى ولا سيما الجيش اللبناني والأمن العام، الذين يعتبرون أنهم يستفيدون من حوافز لا تتوفر لعناصر الدرك وقوى الأمن، متسائلين عن سبب هذا التمييز بين الأسلاك، وما إذا كان يرتبط بقيادتهم التي لم تسع لتحسين أحوالهم كما فعلت قيادات الأسلاك الأخرى. يقول بعضهم، إنه عادة عندما يسعى أحدهم لينخرط في السلك الأمني، يكون مطمئناً لضمانتين أساسيتين توفرتا بشكل مريح طيلة السنوات الماضية. الأولى هي الضمانات الصحية والثانية تتعلق بالمدارس وتعليم الأولاد. والحافزان لم يعودا متوفرين حالياً. ولذلك يقول أحدهم إنه «إذا كان بعضنا قد تقبل فكرة نقل أولاده الى المدارس الرسمية، فإن ذلك لا يكون إلا تحت ضغط الأحوال المعيشية وبحسرة تطغى عليهم وتدفع بالكثيرين جدياً للتفكير بترك السلك فوراً متى سمحت الظروف».

باعت زوجات الكثير من العسكريين كما يؤكدن ما يملكنه من ذهب، وحتى فكرن ببيع بعض إرث عائلاتهن من الأراضي، لتعليم أولادهن. وبرأيهن إنه «من حق إبن العسكري أن يتعلم مثله مثل سائر الناس في مدرسة من اختيار ذويه، لا بل هو أحق بذلك». فيما تعتبر زوجة أحد العسكريين بأنها بهذا العلم توفر لأبنائها جوازاً ليغادروا البلد ويعيشوا بكرامتهم، خلافاً للذل الذي بات الجميع يعانونه في بلدهم حالياً. يؤكد أكثر من مصدر في المقابل أن معظم العسكريين يحاولون حالياً أن يجدوا مصادر دخل بديلة لهم أقله لسد عجز الدولة بتأمين الميزانيات الكافية لتعليم أولادهم هذا العام. ويعمل هؤلاء في وظائف كانوا يكلفون بها سابقاً عمالاً أجانب، في الأفران والأراضي الزراعية وحتى بقيادة التوك توك، أو حتى كرجال حراسة ليلية وغيرها. ويعلم هؤلاء جيداً أن أي عمل حر يعرضهم لعقوبات مسلكية، كونه ممنوعاً على عنصر قوى الأمن أو الجيش مزاولة عمل آخر، ولكنهم يقولون «إما أن نعمل وإما أن يموت أولادنا من الجوع».

ولا يستبعد البعض أن تكون قياداتهم عالمة بالوظائف الجانبية التي يزاولها بعضهم، ولكنها تعتمد أسلوب التجاهل حماية للمؤسسة من الإنفجار داخلياً.

ويتهم البعض قيادته بأنها لا تقوم بالجهد الكافي لتحافظ على كرامات العناصر بما يسمح لهم الإستمرار في تنفيذ مهماتهم.

ويقول هؤلاء إن «الإهمال الذي يلحق بإدارة الأزمة من قبل قياداتهم يعزز مبدأ الرشوة في السلك»، سائلين «لماذا لا يحكى عن رشاوى في مؤسسة الجيش أو الأمن العام، بينما يعتبرها البعض سهلة لعنصر قوى الأمن؟». وهذا الواقع برأي عدد من العسكريين لا بد من أن ينعكس سلباً على المعنويات التي يجب أن يتمتع بها عناصر قوى الأمن والدرك، وخصوصاً عندما يطلب منهم تنفيذ مهمات حفظ الأمن، وملاحقة الجرائم والمخالفين، أو حتى حماية أمن المصارف التي تزيد ذلّهم ذلاً. علماً أن بعضهم لا يملك أحياناً ثمن صفيحة بنزين للوصول الى مهماته.

ومن هنا يلفت ضابط في قوى الأمن الى «أن العسكريين يجب أن يشكروا فرداً فرداً لمجرد إلتحاقهم بمخافرهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها».

إلا أن ذلك بحسب بعض المصادر «يجب أن يقرع جرس الإنذار حول الوضع غير السليم الذي بات يحيط بهذه المؤسسة والعاملين فيها، لأنه صحيح أن العسكر محكوم بالإنضباط، إلا أن ذلك لا يعني بأنه غير معجب بكل الحركات الإعتراضية الشعبية التي يعتبر نفسه جزءاً مؤيداً منها».

وإذا كانت شكاوى العسكريين لم تخرج من الغرف المغلقة حتى الآن، يحذر البعض من الضغط الكبير الذي سيتسبب بانفجارها في العلن، وحينها يقول هؤلاء «لن يكون أحد قادراً على تكهن حجم ترددات هذا الإنفجار وتداعياته».