"تَواصُل شخصي" بين الأسد ونصرالله أفضى إلى إعادة انتشار حزب الله في سوريا

محليات | 19-09-2022

تشهد سوريا انتخابات محليةً، ليثبّت الرئيس السوري بشار الأسد حُكْمَه من خلال إعادة الحياة إلى العملية الانتخابية والعجلة الاقتصادية، رغم «قانون قيصر» الذي أثقل كاهلَها بالعقوبات الغربية.

لكن ليس العقوبات فقط التي ترهق دمشق، بل أيضاً تواجد القوات الأميركية – الأوروبية في الشمال الشرقي الذي يمثّل السلة الغذائية والنفطية لسورية، والذي يقع خارج سيطرتها.

كما تساهم إسرائيل بضرب مطاريْ حلب ودمشق ومواقع عسكرية مستغلّةً انشغال دمشق بالاقتصاد المتدهور وعدم قدرتها على الردّ بسبب انعدام قدرتها العسكرية على فتْح «جبهة حرب» في الوقت الذي ينهمك العالم، خصوصاً روسيا، بالحرب الأوكرانية.

ومن أجل سحْب الذرائع الإسرائيلية، قرر «حزب الله» – بحسب مصادر قيادية في سورية – إعادة الانتشار لتخفيف الضغط الإسرائيلي على القوات السورية وتحصين أماكن وجود القوة الصاروخية للحزب في الأراضي السورية، التي لن تغيب عن مسرح العمليات الحربية في حال اندلاع حرب مع لبنان.

وقد حصل ذلك خلال اتفاق شخصي بين الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله والأسد، كما علمت «الراي» من مصادر قيادية عليا في دمشق.

بعد مئات الغارات على مدى سنوات الحرب الطويلة، فشلت إسرائيل في إخراج إيران و«حزب الله» من سورية، فلجأت أخيراً إلى اتباع استراتيجية ضرب «الخاصرة الأضعف»، الممثلة بالجيش السوري.

ومن المعلوم أن ضباط أركان «حزب الله» موجودون ضمن مراكز القوات السورية الحساسة. ولذلك فإن إسرائيل قرّرت عدم مواجهة «حزب الله» وجهاً لوجه، خصوصاً بعد تهديد نصرالله بأنه سيقتل أي جندي أو ضابط إسرائيلي موجود على الحدود مع لبنان إذا أقدمت تل أبيب على قتْل أي عنصر من الحزب ولو بالخطأ في سورية.

لذلك عمدت إسرائيل – وفق المصادر في دمشق – لاتباع الأسلوب نفسه الذي تعتمده مع حركة «حماس»، بالاتصال المباشر بالمسؤولين العسكريين وإمهالهم الوقت الكافي لإخلاء المواقع التي تقع تحت إمرتهم قبل تدميرها بالصواريخ الموجهة.

كذلك عمدت إلى ضرب المواقع السورية التي لا يتواجد فيها الحزب، بل تُطَوِّر فيها دمشق قدراتها الصاروخية المقدَّمة من إيران.

إلا أن تل أبيب لم تتردد – في خرقٍ واضح للقوانين الدولية – في ضرب المرافئ العامة بهدف سحْق الاقتصاد السوري من دون اعتراض الأمم المتحدة ولو بإدانة.

وتقول المصادر إن إسرائيل تنفّذ مئات الضربات الصاروخية والجوية التي توقع خسائر بشرية سورية لا يُستهان بها، عدا الأضرار في المواقع والإمكانات العسكرية التي تعوّضها إيران.

إلا أن المشكلة الأخرى أن روسيا لم تعد تعوّض الصواريخ المعترضة التي يستخدمها الجيش السوري بالأعداد نفسها، بسبب انشغالها بالحرب على أوكرانيا وحاجتها لجميع قدراتها ومخزونها العسكري.

لذلك فإن قيادة الكرملين غير مستعدة لتشجيع أي رد فعل سوري على الخروق الإسرائيلية، كي لا تتدحرج الأمور وتذهب إلى «حرب شاملة»، لا يريدها اللاعبون من الدول الكبرى.

وتالياً فإن تقدير الموقف لدى إسرائيل، يؤكد قدرتها واستمرارها بضرب سورية من دون أن تتعرض لأي محاسبة.

ولم تتعود تل أبيب الردع، إلا إذ ردّ الطرف الآخَر بقوةٍ وتَسَبَّبَ بأضرار لها ولأمنها القومي، كما فعل «حزب الله» وتفعل كذلك إيران في الممرات البحرية ودعمها العسكري للمقاومة الفلسطينية.

لهذه الأسباب، وبعد قرار الأسد بتفادي الدخول في المنظور القريب في حرب، اتخذ «حزب الله» قراراً بالابتعاد عن المواقع العسكرية التي لا يشكل غيابه عنها أي تأثير على عمله أو عمل الجيش السوري.

وتؤكد المصادر السورية لـ «الراي»، أن «هكذا قرار إستراتيجي لم يحصل من دون تواصل شخصي بين السيد نصرالله والرئيس الأسد لتنسيق وجود حزب الله على محور حلب والمحاور الأخرى التي تتواجد فيها قوات معادية لدمشق».

وقد اتخذ الحزب هذا القرار من دون أي طلب سوري، بينما شددت المصادر على قرار الأسد بإبقاء مستوى التعاون الاستراتيجي في أعلى مستوياته.

وعلمت «الراي» أن الجيش السوري يستعد لتعزيز وجوده على جبهة الشمال الشرقي لـ «مواجهة» القوات الأميركية وملاحقة فلول «داعش» التي تهاجم قوافل مدنية وعسكرية من حين إلى آخر.

وهذا يدل على تصميم دمشق على الوقوف في وجه واشنطن في ظل انشغالها في حربها وتصعيدها ضد كل من روسيا والصين.

ولم تخلُ الأسابيع الماضية من هجمات قامت بها «المقاومة السورية» – بتشجيع من دمشق وموسكو – حيث استهدفت بعض قواعد تمركز الأميركيين، موقعةً خسائر اعترفت بها واشنطن.

وهذا دليل على أن قراراً استراتيجياً اتخذته القيادة السورية – من دون مشاركة «حزب الله» – بالتحرش بالقوات الأميركية.

وتؤكد المصادر أن دمشق تنشط أيضاً على الجهة التركية، خصوصاً بعد لقاءات رئيسي الاستخبارات السورية علي مملوك والتركية حقان فيدان في دمشق، إثر ضغط إيراني – روسي على الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أبدى استعداده لتهدئة الأمور مع سورية ومحاولة إعادة ربط الجسور ليتفرغ الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس إبراهيم رئيسي لـ «جبهة المواجهة» مع واشنطن، والتي تُعدّ تركيا جزءاً مهماً منها، لتواجدها في القارة الأوروبية أيضاً.

ويغذي خط الغاز «ترك ستريم» الروسي، تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وتبني موسكو مفاعلات نووية في جنوب تركيا، ويتواجد جيشا الدولتين على الأراضي السورية.

وتلعب أنقره دوراً مهماً في خفْض التصعيد في الحرب الأوكرانية – حتى ولو كانت جزءاً مهماً من حلف شمال الأطلسي – وفي أذربيجان وليبيا.

لذلك فإن المَصالح التركية – الروسية تصبّ في خدمة المصالح السورية التي تركّز على «طرد الاحتلالات» وسحب الذرائع من إسرائيل إلى أن يحين وقت الحساب معها بعد أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الحرب الأميركية – الروسية على أرض أوكرانيا.