الرقص المُدهِش.. والطبل المُذهِل

«إذا كان ربُّ البيتِ على الطبل ضاربٌ فما شيمة أهل البيت إلاّ الرقص»... رقص استعراضي لفرقة «مياس» اللبنانية في نيويورك أدهش العالم، قابله ضرب على طبول الأزمات في لبنان أذهله، ما اظهر البلد وكأنّه في حال تناقض او انفصام في الشخصية، تنعكس تناقضًا بين المتعاطين بشؤونه، مع انّه تناقض موجود في الأساس.
 
الرقص اللبناني في نيويورك أغبط كثيرين بالرتبة العالمية التي تبوأها، وسكب ماء باردًا على أزمات لبنان، لكن ما قابلها من ضربٌ على طبول هذه الأزمات في الداخل زادها تفاقماً وتناسلاً واتساعاً، حيث يرقص اللبنانيون على انغامه فوق صفيح ساخن يكويهم قبل ان يسقطوا فوقه ويحترقون و»اول الرقص حنجلة»...
 
فكل هذا الجحيم لم ينفع بعد في إيقاظ ضمائر الطبقة السياسية ويدفعها إلى اجتراح الحلول الناجعة للأزمات، فيما العالم يقف متفرجاً على مأساة اللبنانيين وغير مبادر إلى أي مساعدة، وبعض المتفرجين يردّدون سراً وجهراً انّ كل ما قدّموه من مساعدات في الماضي كنزته مجموعات من القوى السياسية لحساباتها الخاصة، في تواطؤ فاضح على مصلحة أبناء لبنان ومستقبله.

 
وحسب ما يظهر على المسرح السياسي، انّ ارباب السلطة ومعهم الطبقة السياسية، يضربون على طبول الأزمات، واللبنانيون بكل طوائفهم ومشاربهم يرقصون متمايلين متهالكين تحت وطأة العوز والفقر الذي طرق ابوابهم ويدفعهم للخروج الى الانفجار غضباً في الشارع، وأولى نماذج هذا الانفجار ما يحصل بين يوم وآخر من اقتحام مودعين لفروع بعض المصارف بدافع الحاجة الملحّة الى تحصيل ودائعهم بأيديهم، بعدما عجزت السلطة عن توفيرها لهم بقوة القانون.
 
ولذلك، يقول سياسيون متتبعون لمجريات الأزمة، انّ الوضع بات مفتوحاً على كل الاحتمالات الخطرة، لأنّ الضرب على طبول الأزمات سيستمر وستبقى شيمة اللبنانيين، او على الاقل شريحة كبيرة منهم، «الرقص كالطير مذبوحاً من الالم»، على مرأى من طبقة سياسية أوصلت البلاد بفسادها الى الجحيم، الى درجة انّه لم يعد هناك، في نظر هؤلاء السياسيين، من اهمية للتعويل على استحقاقات حكومية ورئاسية، فقدت جدواها قبل انجازها، وبات البلد مشلوحاً على رصيف العوز والفقر، تتآكله مخاوف متعاظمة من تدهور الاوضاع الامنية نتيجة ارتفاع الدولار وجنون الاسعار وتبخّر الرواتب والقدرة الشرائية للعملة الوطنية، ويطاول كل ذلك القوى العسكرية والامنية الساهرة على الامن، والتي هي من الشعب وفي خدمة الشعب، وقد اصابها ويصيبها ما حلّ بعامة اللبنانيين من فاقة وجوع.

 
ويرى البعض انّ ما يفاقم الأزمات هو انّ الزمن الذي كانت فيه بعض دول بمثابة «جمعيات خيرية» تساعد لبنان وغيره قد ولّى، بعد انكشاف هول فساد السلطات والقوى النافذة الذي بخّر المساعدات. إذ بعد اليوم على لبنان ان يعتمد على نفسه وامكاناته، لانّه لا يبدو انّه ستكون هناك مساعدات ملموسة له من أحد، وإن قدّم بعض «الخيّرين» شيئاً منها، فإنّها لن تكون بلا مقابل، لأنّ العالم تغيّر، فمن كان كبيراً فيه بدأ يصغر، باستثناء قلّة لا خوف لديها على غدها، ولكنها في الوقت نفسه أمسكت اليد في الصرف والإنفاق في داخل بلادها وخارجها، متصرفة وفق المقولة الشعبية المصرية «إن كنت على بير إصرف بتدبير». علماً انّ هذا الإحجام عن تقديم المساعدة للبنان والمشفوع بتأجيج الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية، لا يخرجه بعض المتابعين للشؤون اللبنانية عن النزاع الدائر على الساحتين الاقليمية والدولية.

 
غير انّه وسط كل هذا المشهد القاتم، والذي زاده قتامة ما دار في جلسة مناقشة الموازنة في المجلس النيابي من مناكفات ومماحكات وسجالات انتهت بتطيير نصاب التصويت على هذه الموازنة وأجّله الى الاثنين المقبل، بدأت تلوح في الأفق احتمالات الاتفاق على تأليف الحكومة الجديدة، بعد عودة رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي من زيارته للندن ونيويورك، إذ يبدو انّ لقاءه المفاجئ أمس الاول مع رئيس الجمهورية ميشال عون ذلّل بعض العقبات التي تعرقل التأليف منذ التكليف وإلى اليوم. ولكن ما لفت الاوساط السياسية في هذا السياق، هو انّه فيما الاوساط الحكومية تحدثت عن «تراجع» رئيس الجمهورية عن مطلبه تعويم الحكومة الحالية وتوزير 6 وزراء دولة من السياسيين فيها لتصبح ثلاثينية، راحت الاوساط الرئاسية في المقابل تسرّب العكس وتقول انّ ميقاتي «سيقبل» بالحكومة الثلاثينية ذات وزراء الدولة الست السياسيين، لأنّ من مصلحته ومصلحة البلد تأليف حكومة دستورية تتولى ادارة شؤون البلاد، سواء إنتُخِب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستورية التي تبقّى منها شهر ونصف شهر تقريباً، او لم يُنتخب. وفي حال حصول فراغ رئاسي تمارس هذه الحكومة صلاحيات رئاسة الجمهورية وكالة إلى حين انتخاب رئيس جديد، وتبقى امور الدولة في هذه الحال منتظمة دستورياً بعيداً من اي جدال او سجال لن يجلب سوى مزيد من الخلافات التي تفاقم الأزمات وتزيدها خطورة.
 
لكن بين الاوساط السياسية من يعتقد انّ ما حصل في الأمس على خطورته ربما يشكّل دافعاً قوياً بعد اليوم إلى وضع حدّ للأزمة على قاعدة «اشتدي يا ازمة تنفرجي». إذ أنّ اللبنانيين باتوا في غالبيتهم تحت خط الفقر ولم يعد لديهم ما يخسروه بعدما خسروا كل شيء. ما يعني، إذا صحت هذه التوقعات، إنّ الخطوات ستتسارع في قابل الايام ليكون تأليف الحكومة بداية الخروج من النفق، خصوصاً اذا تمّ في الاسابيع المتبقية من ولاية رئيس الجمهورية انتخاب رئيس جديد وتوقيع اتفاق على ترسيم الحدود البحرية، كما هو مأمول.