"حرب رسائل" و"لعب بالنار".. مطارات سوريا "تدخل وتخرج من الخدمة"

عالميات | 07-09-2022

باتت المطارات الدولية في سوريا "هدفا بارزا" ضمن قائمة الضربات الجوية والصاروخية التي تنفذها إسرائيل، رغم عدم تبنيها رسميا لذلك، وبينما يصف مراقبون هذا "التحوّل" بأنه يأتي في إطار "حرب الرسائل" اعتبرت وزارة خارجية النظام السوري، مؤخرا، بأن ما يحصل "لعبٌ بالنار". 

 

وللمرة الثانية خلال أسبوع تعرض مطار مدينة حلب، ليلة الأربعاء، لقصف صاروخي "إسرائيلي"، ما أسفر عن خروجه من الخدمة. وجاء ذلك بعدما تعرض الأسبوع الماضي (يوم الأربعاء) لضربات مماثلة أخرجته أيضا عن الخدمة ليوم واحد، بالتزامن مع استهداف مماثل على محيط مطار دمشق الدولي.

 

وما بين "الأربعائين" انتشرت الكثير من التحليلات بشأن الأسباب التي دفعت إسرائيل للتصعيد على نحو أكبر من السابق، مستهدفة بالتحديد المطارات في سوريا، لكنها تقاطعت بنقطة تتعلق بـ"طريق إيران الجوي إلى سوريا"، وأن القصف الحاصل يستهدف قطعه، مع استمرار تدفق "شحنات الأسلحة والذخائر".

 

وتقول إيران، منذ سنوات، إن وجودها العسكري في سوريا يقتصر على المستشارين، وتنفي الاتهامات التي تشير إلى غير ذلك.

 

لكن إسرائيل وفي المقابل تؤكد أن "الحرس الثوري" الإيراني يواصل عمليات نقل الأسلحة والذخائر والصواريخ الدقيقة، سواء إلى ميليشياته في سوريا، أو باتجاه "حزب الله" في لبنان، ولذلك فإنها ستواصل حملتها "بين الحروب".

 

ومن دمشق، لطالما تماهت الرواية الرسمية للنظام السوري مع الحليف (الجانب الإيراني)، إذ أنه ومع كل ضربة تنشر خارجية الأخير بيانا تدين فيه الاستهدافات، بينما تتوعد "بالرد في الوقت والزمان المناسبين".

 

وهو ما أشار إليه فيصل المقداد وزير الخارجية السوري، الأسبوع الماضي، بقوله إن "إسرائيل تلعب بالنار. الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة تهدد بتفجير الأوضاع الأمنية والعسكرية في المنطقة. سيدفع الإسرائيليون الثمن عاجلا أم آجلا".

 

"حرب رسائل"

وعندما تعرض مطار حلب للقصف، يوم الأربعاء الماضي، تحدثت الرواية الإعلامية الإسرائيلية أنه جاء لمنع هبوط طائرة لشركة "ماهان إير"، "تحمل صواريخ مضادة للطائرات"، وهو ما دفعها لتغيير مسارها إلى مطار دمشق الدولي خلال ساعة. وبعد أن هبطت هناك تعرض محيط الأخير لقصف آخر.

 

في عام 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة "ماهان" للطيران لنقلها أسلحة وأفراد إلى القوات الإيرانية في سوريا.

 

ولم تلبث فرق الصيانة التابعة لوزارة النقل في حكومة النظام السوري أن تنتهي من ترميم الأضرار التي لحقت بالمدرج الغربي لمطار حلب، حتى جاءت الضربة الثانية، لتعطله من جديد، وتجعله في نطاق "خارج الخدمة".

 

ولا يعرف حتى الآن ما إذا كانت هناك أي طائرات تحاول الهبوط في أثناء الضربة الثانية على مطار حلب، فيما رصدت شركات استخبارات ومواقع تتبع حركة الطيران استئنافا للنشاط الجوي بين الضربتين.

 

وعلى اعتبار أن "الضربات تأتي في إطار استمرار النشاط الإسرائيلي في سوريا ضد التموضع الإيراني، ومحاولات نقل الأسلحة المتكررة إلى حزب الله وميليشيات أخرى" يقول الصحفي روعي كايس إن التركيز على المطارات هو "رسالة مزدوجة".

 

ويضيف كايس، وهو مراسل الشؤون العربية في قناة "كان" الإسرائيلية، لموقع "الحرة": "أولا أنه لا يمكنكم (للإيرانيين) استخدام المطارات في سوريا لنقل أسلحة تهدد دولة إسرائيل. القسم الآخر من الرسالة للنظام السوري، الذي يسمح للإيرانيين بتحقيق أهدافهم في التموضع ونقل الأسلحة".

 

"الموضوع بمجمله هو حرب رسائل"، كما يرى كايس.

 

ويضيف: "الفكرة الأساسية هي الضغط على النظام السوري، من أجل أن يلجم النشاط الإيراني على الأراضي السورية".

 

لكن المحلل السياسي المقيم في دمشق، علاء الأصفري اعتبر أن هناك 3 أسباب مباشرة لزيادة "الاعتداءات الإسرائيلية، وخاصة على المطارات".

 

أولى هذه الأسباب، حسب ما يقول الأصفري لموقع "الحرة": "هناك هلع إسرائيلي من أن حالة تسرب لأسلحة دقيقة نوعية إلى حزب الله عبر سوريا. بالتالي المعركة قد تكون قريبة جدا".

 

ويتابع المحلل السياسي أن السبب الثاني هو "محاولة من إسرائيل لإحباط معنويات الشعب والجيش السوري، بأن الضربات ستستمر وأننا لنا اليد الطولى"، حسب تعبيره.

 

"سيكون الرد قريبا"، وفق الأصفري الذي يشير إلى سبب ثالث بأن إسرائيل تحاول "إحراج الجانب الروسي المنشغل في أوكرانيا. موسكو تتبلغ بالضربات قبل دقائق. سوف تدين الغارات وقد يكون لها تصرف آخر".

 

وزاد المحلل السياسي: "لا بد للجيش السوري أن يمتلك أنظمة دفاع جوي أقوى. هذا سيكون قريبا جدا، مع شدة الغارات وتزامنها بهذا الشكل".

 

"أهداف استراتيجية"

وعقب الضربة الأولى التي استهدف مطار حلب نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر استخباراتية إقليمية أن "إسرائيل كثفت ضرباتها على المطارات السورية لتعطيل استخدام طهران المتزايد لخطوط الإمداد الجوية لإيصال أسلحة إلى حلفائها في سوريا ولبنان"، بما في ذلك "حزب الله".

 

واعتمدت طهران النقل الجوي كوسيلة أكثر موثوقية لنقل المعدات العسكرية إلى قواتها والمقاتلين المتحالفين معها في سوريا، بعد تعطل عمليات النقل البري.

 

ووفق المصادر، فإن إسرائيل ترى منذ فترة طويلة ترسيخ خصومها الإيرانيين في سوريا تهديدا للأمن القومي، لذلك توسع نطاق ضرباتها لضرب طرق النقل الجديدة هذه.

 

الباحث السوري في "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية"، نوار شعبان لا يرى أن ضرب المطارات هو "رسائل للنظام السوري"، كون الأخير "لا قدرة له على تحجيم إيران في سوريا".

 

وبوجهة نظر الباحث، فإنه عبارة عن "ضرب إسرائيل لأهداف استراتيجية"، وهو ما يسفر بالفعل في الوقت الحالي عن "تقطّع الممرات الجوية لإيران"، مشيرا: "الضربات الحاصلة مباشرة. مع أي هبوط لطائرة إيرانية (سواء لماهان أو غيرها) يحصل استهداف في نفس الليلة أو في صباح اليوم التالي".

 

وعلى الرغم من هذه الظروف إلا أن إيران تدرسها بشكل "جيد"، وفق شعبان، الذي يرى أنها تتحول للتركيز على المعابر البرية.

 

ويتابع: "دائما ما يكون لإيران بديل. قوة النقل الجوي ستتأثر بالفعل، لكن سيتم الاستعاضة عنها بمداخل أخرى".

 

بدوره يؤكد الصحفي الإسرائيلي، روعي كايس على فكرة أن "النظام السوري لا يمكنه أن يوقف النشاط الإيراني"، خاصة أن طهران هي من ساعدت الأسد في البقاء.

 

"الأسد لا يمكنه أن يتجاهل ما يريدونه الإيرانيين. هم دفعوا ثمنا بالمال وحياة مقاتلين من الحرس الثوري. ولذلك يريدون المقابل".

 

ومع ذلك، اعتبر كايس أن "النظام السوري يمكن أن يحد قليلا من النشاط الإيراني"، لكنه في الوقت الحالي بات في "مأزق". وزاد: "يريد أن ينفذ مخططاته لبناء سوريا الجديدة، لكن كل غارة إسرائيلية تأخذه إلى الوراء".

 

أين روسيا مما يحصل؟

ودائما ما تعلّق روسيا على الضربات الإسرائيلية ضد مواقع إيران في سوريا، من خلال بيانات ينشرها "مركز المصالحة في قاعدة حميميم".

 

وتأتي البيانات في صيغة إخبارية لما حصل، من خلال استعراض ماهية القصف الذي حصل، وعدد الطائرات التي نفذتها، وكيف استجابت أنظمة الدفاع الجوي السورية لها.

 

وقد أثارت الضربات على المطارات حفيظة شخصيات موالية وتحسب على أوساط النظام السوري. وهؤلاء من بينهم فارس الشهبابي رئيس اتحاد غرفة صناعة حلب انتقدوا طريقة التعاطي الروسية مع الغارات، حتى أنه كتب في إحدى منشوراته: "بلينا بحليف يحب أعداءنا أكثر منا!".

 

وتسير روسيا وإسرائيل في سوريا منذ عام 2018 بآلية "الخط الساخن"، لمنع حدوث أي عمليات تضارب بينهما. 

 

وقبل نحو أسبوع أدان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف "الهجمات الصاروخية" التي تنفذها إسرائيل في سوريا.

 

وقال في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره السوري فيصل مقداد، إن روسيا تواصل دعم سوريا وتتوقع أن تحترم إسرائيل السيادة السورية.

 

وأضاف: "نطالب إسرائيل باحترام قرارات مجلس الأمن وقبل كل شيء احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها".

 

يقول أنطون مارداسوف، وهو محلل روسي وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط إن "روسيا لا تغير مبدأها الأساسي، فهي تحاول عدم التدخل في المواجهة الإقليمية، رغم حقيقة أن قيمة إيران بالنسبة لموسكو قد ازدادت بشكل كبير، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا".

 

ويعتقد الباحث في حديث لموقع "الحرة" أن طهران ورغم عدم رضاها عن هذا الموقف وتداعياته عليها في سوريا، إلا أنها "لا يمكنها الاعتراض على أي شيء بجدية".

 

"الإيرانيون يفهمون أن روسيا لا تستطيع أن تخل بالتوازن. إلى جانب ذلك، بالنسبة لإيران تستفيد روسيا أكثر كقوة موازنة، بينما تدرك طهران أن موسكو لن تكون أبدا حليفة كاملة".

 

وبشكل غير معلن، تشعر روسيا بالقلق الشديد بشأن أي تغيير في الوضع، بعد أن بدأت حربا مباشرة مع أوكرانيا، ونزاعا حادا غير مباشر مع حلف "الناتو".

 

في المقابل لا تزال إيران تستخدم الموقف للمناورة بين النخبة العسكرية والسياسية السورية، و"الأهم من ذلك أن الأسد نفسه ليس حريصا بشكل خاص على تحويل سوريا إلى مكان دائم للمواجهة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي".

 

ولذلك، يضيف مارداسوف أن "موسكو غير راضية عن تصرفات إسرائيل، التي تصعد ضرباتها في سوريا".

 

ولكن في المقابل "ومع نشاط شركائها التكتيكيين (إيران ونظام الأسد) فإن ضربات الجيش الإسرائيلي مفيدة إلى حد ما لموسكو لأنها تحتوي قدرات إيران، التي لا يستطيع الروس أنفسهم احتوائها".

 

"على أعصاب بعضهما"

وعلى مدى السنوات الماضية لم تتوقف الضربات "الإسرائيلية" على المواقع العسكرية التابعة للنظام السوري وإيران في سوريا، فيما لم تضع إسرائيل أي خطة زمنية للحملة التي تقودها، "حماية لأمنها القومي"، حسب قولها.

 

ومن جانب إيران، ورغم الضربات التي تتعرض لها مواقعها، إلا أنها لم توقف أي نشاط لها على الأرض أو الجو، وفي البحر أيضا، وحتى أنها سرعان ما تعود لاستئناف نشاطها في ذات الموقع الذي تعرض للكثير من الضربات. كما هو الحال بالنسبة لمركز البحوث العلمية في مصياف بريف حماة مؤخرا، وحاليا في مطار حلب.

 

أما روسيا حليفة النظام السوري الأبرز والتي "تحكم الأجواء السورية" لا تعرف الاستراتيجية التي تسير بموجبها بين إسرائيل والنظام السوري وإيران، وما إذا كانت تعمل على شيء من "الموازنة".

 

وفي الوقت الحالي تلعب روسيا وإسرائيل على "أعصاب بعضهما البعض"، لكنهما تدركان أنهما "لا تهتمان بالانهيار الكامل للعلاقات، وبطريقة أو بأخرى ستحافظان عليها".

 

ويعتقد الباحث الروسي مارداسوف أن الوضع سيبقى "معقدا للغاية"، حتى يتضح الوضع في الحكومة الإسرائيلية.

 

لكن سبقى سؤال وحيد، وفق الباحث، مضيفا: إسرائيل على الرغم من الشتات في روسيا وعلاقاتها الاقتصادية، إلا أنها أكثر حرصا على إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة. لذلك هناك احتمال أن تستمر العلاقات الروسية الإسرائيلية في التدهور".