"التخلّي" عن SAYRAFA... أرتال الطوابير ستزداد أمام المحطات في الأيام المقبلة ولن تنتهي إلاّ إذا..!

إقتصاد | 23-08-2022

لم ينفع المنظومة السير المتعرّج فوق حقل الانهيار المزروع بـ"ألغام" سعر الصرف. فبعدما فجرت بخطوات إدارتها الثقيلة للأزمة عشرات الألغام، تقف اليوم مترنحة فوق لغم البنزين. إذ إنّ "المركزي" الذي أوجد "المنصة" كبديل للسوق الموازية، ويعتبر سعرها هو الحقيقي، لم يعد يؤمن بها وقد بدأ بالتخلي عنها تدريجياً لمصلحة السوق "السوداء". وهذا لم يبرز من خلال عزوفه عن التدخل عليها بمبالغ وازنة فحسب، إنما أيضا من التخفف السريع من أثقال الدعم على البنزين قبل تحقيق أبسط الاصلاحات النقدية على الاقل. الأمر الذي رأت فيه أوساط متابعة أنه "سيولّد عصفاً يطيح بامكانية السيطرة على الدولار من جهة، وقدرة المواطنين على تأمين هذه المادة الحيوية من جهة ثانية".

عمد مصرف لبنان إلى تخفيض الدعم عن البنزين في الوقت الخاطئ، وفي غضون أقل من شهر بنسبة 45 في المئة. فحلق سعر الصرف وعادت أرتال الطوابير لتصطف أمام المحطات. في 27 تموز الفائت توقف مصرف لبنان عن تأمين الدولار المطلوب بنسبة 100 في المئة وفقاً لمنصة صيرفة، معتمداً آلية جديدة تقضي باحتساب 85 في المئة وفقاً للمنصة و15 في المئة وفقاً لسعر السوق الموازية. وبعد أيام قليلة، وتحديداً في 16 آب الحالي عدّل النسب مجدداً، مخففاً نسبة تأمين الدولار على سعر صيرفة إلى 70 في المئة. ولم يكد يمضي شهر حتى خفض النسب مرة جديدة، حيث صدر صباح أمس جدول تركيب أسعار البنزين مع تخفيض جديد بنسبة الدولار المؤمن من قبله على سعر صيرفة إلى 55 في المئة. الأمر الذي لم يترك تداعيات على سعر الصرف نتيجة زيادة الطلب على الدولار فحسب، إنما خلق أيضاً ارباكات للشركات المستوردة والمحطات على حد سواء تتعلق بالتسعيرة وبكيفية تأمين الدولار الذي يزداد سعره صعوداً كل ساعة في اليوم الواحد. وجعل أيضاً قسماً كبيراً من المحطات يقنن بالبيع لتحقيق الارباح. كما أفقد المواطنين الثقة بكامل السياسة النقدية، فاذا كان "المركزي" لا يلتزم بمنصته فمن من الممكن أن يلتزم بها؟!

بهذه الخفة تتعامل المنظومة مع الازمة. فلطالما رُبطت المطالب برفع الدعم غير البناء بأمرين أساسيين: تحقيق الاصلاحات أولاً، وتأمين البدائل للمواطنين ثانياً. والأمران لم يحصلا. فلم تعتمد منذ ثلاث سنوات خطة انقاذية ببنودها الاصلاحية المتشعبة ولا حتى توحيد سعر الصرف، وجرى استبدال الاصلاحات بإقرار بعض القوانين المتفرقة بعد تفريغها من مضمونها. فيما لم يعط المواطن أي بدائل جدية. فلا بطاقات تمويلية لثلث الشعب اللبناني كما نصت الوعود، ولا تأمين وسائل نقل عامة بديلة... ولا أي شيء آخر. وهذا لا يطرح السؤال فقط عن النتائج الآنية لرفع الدعم العشوائي غير المنظم، إنما أيضاً عن الجدوى التي تحققت طيلة السنوات الماضية من الدعم. وكأننا "حرقنا مليارات الدولارات من أجل لا شيء"، بحسب المصدر، "خصوصاً مع وصول سعر صرف الدولار إلى 34 ألف ليرة".

الدولار سيستمر بالارتفاع، وأرتال الطوابير ستزداد أمام المحطات في القادم من الايام، ولن تنتهي إلا حين رفع الدعم كلياً. عندها تخلق مشكلة جديدة تتمثل بكيفية احتساب المحطات لسعر الصرف عند عملية شراء البنزين، وهل ستشترط قبض المبالغ حصراً بالدولار على غرار ما حصل مع المازوت. وهل ستبقى في المقابل وزارة الطاقة تصدر جدول تركيب أسعار، يقيّد عملية السوق الحر؟ وما هو مصير منصة صيرفة؟ أسئلة لا أجوبة عليها لغاية الآن، فهذه المنظومة التي عجزت طيلة السنوات الثلاث الماضية عن إدارة أسوأ الازمات العالمية، لن تفاجئنا بحلول جدية. وهو ما ينذر بأن أسوأ الكوارث لم يحصل بعد.