هل يحمل هوكشتاين إتفاق إطار جديداً؟

يرجّح أنّ تكون الأسابيع المقبلة حافلة بالأحداث المتصلة بملف ترسيم الحدود. أقلّه، هكذا يريدها لبنان بعدما باشرت إسرائيل عمليات التنقيب في حقل كاريش فيما دخل «حزب الله» على خطّ الضغوطات من خلال إرسال المسيّرات أولاً، وإعلان الأمين العام السيد حسن نصرالله ثانياً «الاستنفار السياسي وغير السياسي لمواجهة استحقاق حفظ حقوق لبنان في البحر» بتأكيده أنّ «المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي وكل الخيارات مفتوحة».

في الموازاة، قرر «الحزب» العودة إلى الخطّ 29 ولكن من دون تثبيته رسمياً أو أممياً، وإنّما من خلال التذكير بحق لبنان بمنطقة رأس الناقورة والنقطةB1 الحدودية التي هي بداية الخط الحدودي بين لبنان وإسرائيل وتم ترسيمها في الاتفاقيات الدولية منها عام 1923، وقد جرى تثبيتها وتعليمها كما حصل على صعيد الخط الأزرق. وهي كانت تفصل فلسطين عن لبنان، منذ أيام الانتداب الفرنسي على لبنان والبريطاني على فلسطين، وقد تجاوزتها إسرائيل بحدود 35 متراً منذ مدة طويلة ما يعتبر اعتداء على السيادة اللبنانية.

أهمية هذه النقطة، هي بكونها تثبّت رأس الناقورة كمنطلق حدوديّ، أمّا إزاحة النقطة B1 شمالاً فتُسقط عن رأس الناقورة دورها كنقطة حدودية. أمّا الأهم من ذلك، فإنّ اعتماد هذه النقطة، ومعها رأس الناقورة، يعني العودة إلى الخطّ 29، لأنّ ترسيم الحدود البحرية يأخذ بالاعتبار نقطة ارتكاز أساسية موجودة على البرّ. وبالتالي إنّ الانطلاق منها يقود حكماً إلى الخطّ 29، وبالنتيجة إضفاء الشرعية على ادعاء لبنان بأنّ حقل «كاريش» متنازع عليه.

وبانتظار عودة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى بيروت، لينقل الرسالة الجوابية الإسرائيلية، ستكون الهيئة التشريعية يوم الثلثاء المقبل على موعد مع اقتراحيّ قانون معجّليْن مكرّريْن يهدفان إلى تثبيت الخطّ 29... ولو أنّ الأجواء المحيطة بالمفاوضات غير المباشرة، لا تشجّع كثيراً.

إذ تزداد الخشية من أن تكون حصيلة الجولات المكوكية التي قام ويقوم بها الوسيط الأميركي، وضع لبنان أمام خيارات أحلاها مرّ، وتبدأ باتفاق إطار جديد، ولكن هذه المرّة ضمن مساحة محددة بين خطيْن، أي خطّ «هوف» والخطّ 23 بعد اسقاط الخطّ 29 وتأكيد لبنان الرسمي أنّ الخطّ 23 هو خطّه الحدودي. ويرجّح السيناريو المحتمل، أن يكون في جعبة الإسرائيلي خطّ جديد سيضعه على الطاولة اذا تمّ الاتفاق على العودة إلى المفاوضات غير المباشرة ضمن اتفاق اطار جديد، بحجج قانونية تسمح له بتجاوز الموقف اللبناني القانوني، ويرجّح أنّ يكون هذا الخطّ الجديد متعرجاً، يمنح لبنان جزءاً من حقل قانا، مقابل التخلي عن جزء من البلوك 8 المعروف أنّه غني بالغاز.

من هنا أهمية إعادة تعزيز موقف لبنان التفاوضي من خلال تثبيت الخطّ 29. أما الاقتراح الأول الموضوع على جدول أعمال الهيئة التشريعية، فيرمي إلى تعديل المادة 17 من القانون رقم 163/2011 لتضمينه خريطة واحداثيات ترسم حدود المياه الاقليمية الجنوبية والمنطقة الاقتصادية الخالصة جنوباً، وفقاً للخطّ الذي رسمته مصلحة الهيدروغرافيا في الجيش اللبناني والمعروف بالخطّ 29، والمقدّم من النائب حسن مراد.

والاقتراح الثاني يرمي إلى تعديل المادة 6 من القانون 163/2011 (تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة)، والمقدّم من النائبة بولا يعقوبيان.

في الواقع، صار معروفاً أنّ المطالبة بتثبيت الخطّ 29 تهدف إلى تحصين موقف لبنان التفاوضي بالحجج القانونية التي تحول دون طغيان الحجج الإسرائيلية خلال المسار التفاوضي. ولهذا، اندفع بعض النواب باتجاه المطالبة بتعديل القانون 163/2011 بعدما سقطت كلّ محاولات تعديل المرسوم 6433 من جانب السلطة التنفيذية.

ولهذا، يعتقد المتحمسون لخيار التعديل وتثبيت الخطّ 29 أنّ الجلسة التشريعية فرصة جدية أمام الدولة اللبنانية لتحسين موقفها من خلال تدعيم قرائنها القانونية. إلا أنّ هذا المسار دونه عراقيل سرعان ما ستظهر مع عرض الاقتراحين:

أولى تلك العراقيل، هي تعددية الاقتراحات ما قد يدفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إحالة الاقتراحين إلى اللجان النيابية لدرسهما. لهذا يُفترض بالنواب المعنيين أن يستبقوا الأمر والاتفاق على دمج الاقتراحين طالما أنّهما يصبوان إلى هدف واحد.

ثانية تلك العراقيل، هي الخشية من اسقاط الاقتراحين بحجة أنّ لبنان وسط المفاوضات ولا يجوز بالتالي تعديل الحدود البحرية. إلّا أنّه بالامكان تجاوز هذا المطب من خلال تضمين القانون بنداً يقول بإمكانية تعديل الاحداثيات بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء على ضوء نتائج المفاوضات الجارية، مع العلم أنّ نقاشاً مماثلاً جرى في العام 2018 حول ما اذا كان يفترض توثيق الاحداثيات في قانون أو في مرسوم. وقد رسا الخيار يومها على المرسوم.