ملف بلدية بيروت يعيد اتهامات "التيار" باليمينية إلى الواجهة

الكاتب: صفاء درويش: أعادت حملة المطالبات بتقسيم بلدية بيروت إلى بلديتين مسألة التطرّف السياسي والطائفي إلى الواجهة. فريق مؤيّد وفريق معارض يتبادلان الإتهامات من منطلقات سياسية وطائفية، كلٌ متسلّح بوجهة نظره وأسبابها الموجبة والمقنعة في آن.

وبعيدًا عن مسألة البلدية التفصيلية، يمكن لهذا النقاش المحتدم اليوم أن يقودنا إلى ما هو أعمق، أي إلى دراسة منطلقات الخيارات السياسية أكانت يمينية أم يمينية متطرفة أم تنتمي للمقلب الآخر من القراءات والعقائد السياسية والوطنية.

شارع التيار الوطني الحر على صعيد المثال لا الحصر، قد يكون العيّنة الأدق لتحديد أسباب المواقف التي قد يصفها البعض بالحادّة، أو المتطرّفة مسيحيًا، أو اليمينية في بعض الأحيان.

مراجعة هذه المواقف وتفصيلها، وشمل ملف بلدية بيروت من ضمنها، يضعنا أمام حقيقة واضحة، هي أنّ هذا الشارع لم يلبس اليمينية، ولم يجنَح بخياراته نحو المواجهة، منذ نشأته، سوى بناءً على واقع يقول ان ردّة الفعل باتت موجبة.

مرحلة الـ2004 إلى 2006 وما تبعها من أحداث يمكن أن تلخّص المشهد بدقّة. من قانون 1559 وكلمة الرئيس ميشال عون أمام الكونغرس الأميركي قبل عودته إلى لبنان، ووقوفه بعدها مع المقاومة في مواجهة عدوان تموز، وصولاً إلى مواقف التيار اليوم على القطعة داخليًا، يتبيّن أن التيار الذي يوصف جمهوره باليميني أحيانًا ويصنّف ضمن محاور معينة في أحيان أخرى انطلق بردود فعله، وبنظرته للمسائل، من منطلق حاجة البلد. حين أيّد الـ1559 كان يرى فيه الحل لاستعادة لبنان لسيادته، وحين دعم المقاومة في تمّوز أتى ذلك نتيجة اعتداء جيش العدو على لبنان وشعبه. في الموقف الأوّل اتّهم بالمتطرّف والمعادي للخط الوطني، وفي الثاني اتّهم أنه جزء من محور يسمّيه البعض محور الشر، وفي الموقفين كان التيار متصالحًا مع نفسه ومعتقداته وشارعه بممارسة وطنيته كما يراها هو.

اليوم، نادى رئيس الجمهورية، وينادي التيار، بضرورة إحداث توازن في علاقات لبنان بين الغرب والشرق. أصوات اتهمته من جديد بالترويج لافكار محور الشر.

هؤلاء أنفسهم تابعوا كيف تبنّى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نظرية الحياد الايجابي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، وتقبّلوها طبعًا بل أشادوا فيها وهم على حق. فتبنّي عون والتيار الوطني الحر لفكرة الحياد الايجابي من خلال علاقات ندّية تقوم على اساس مصلحة لبنان بمبادرة سبقت الجميع، هو خطوة لا تنتمي لمحور، بل تثبّت سياسة التيار ورغبة جمهوره بتغليب مصلحة لبنان على أي شيء آخر.

في ١٧ تشرين ٢٠١٩، تلقّى التيار الوطني الحر ومعه «حزب الله» هجومًا قاسيًا من الأحزاب والمجموعات المشاركة في هذا التحرّك، ما ألزمَ التيار على تقارب أكبر مع الحزب وهو ما كان استثنائيًا. ما يريده الشارع اليوم هو ما نادى به الرئيس عون سابقًا وهو مسألة الحياد الايجابي، والذي حتى الساعة الاولى حالت الظروف السياسية والاقتصادية وما يحصل في الاقليم من دون السير قُدمًا بهذه السياسات.

وبالعودة إلى ملف بلدية بيروت، بات واضحًا أيضًا أن المطالبة بتقسيم البلدية ينطلق من الحاجة لرفع إنتاجيتها، ونظام المحاسبة الشعبية لها، لا سيما بعد حرمان مناطق معيّنة من الإنماء الذي اتضح أنه غير متوازن، وهنا أيضًا انطلقت نظرة التيار وجمهوره من ردّة فعل واضحة على فعل مقصّر ومستهدف لمنطقة معينة وشريحة واضحة!

هنا، يؤخَد على أصحاب هذا الرأي أيضًا مطالبتهم بالفيدرالية، والتي بات واضحًا أن مواجهة مطلبها لا يكون بالتخوين بل بالطمأنة. الظروف الاقليمية اليوم تجنح نحو التسويات والحلول، والآن هو الوقت الطبيعي لسلوك مسار الحياد الايجابي الذي يطلبه الشارع، لناحية إحداث توازن وتصحيح في العلاقات مع الخارج لا سيما الغرب الأقرب لشارع التيار ثقافيًا وحياتيًا.

هؤلاء لم يرفضوا الآخر، عاشوا معه في حرب تموز وفي ورقة تفاهم حارَبهم بسببها العالم الأجمع. عاشوا مع الآخر في تفاهمات سياسية وتحالفات شملت كل أخصامه تقريبًا، من دون يمينية ويسارية، بل لتسيير أمور البلد. جلّ ما يطالبون به اليوم هو احترام خصوصيتهم، من دون تَعدّيهم على خصوصيات الآخرين، فهكذا نشأ لبنان وهكذا سيستمر.