موافقة "القوات" على التوزير "لا تقدّم ولا تؤخّر"

بعد تقديم الرئيس المكلّف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي التشكيلة الوزارية الأولى لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وما تلاها من تسريب لهذه التشكيلة واتهامات متبادلة بين المعنيين بهذا التسريب، وبروز أوّل خلاف سيؤخّر عملية التأليف، والمتعلّق بوزارة الطاقة التي أخرجها ميقاتي في هذه التشكيلة من يد «التيار الوطني الحر»، بدأت جهات سياسية وشعبية تدعو حزب «القوات اللبنانية» مجدداً الى المشاركة في الحكومة، بحيث أنّ مشاركتها ستمنع «ابتزاز» رئيس التيار النائب جبران باسيل لميقاتي. كذلك، وبما أنّ «القوات» الكتلة الأكبر مسيحياً في مجلس النواب، يُمكن تأليف الحكومة بلا مشاركة «التيار» إذا شاركت «القوات» فيها بحيث تمنحها الميثاقية المسيحية.

 

هذه الدعوة الجديدة - القديمة المُوجّهة الى «القوات» إضافةً الى مطالبتها من جهات سياسية وشعبية بتسلُّم حقيبة الطاقة تحديداً لاعتماد نهج مُغاير عن الذي اعتمده التيار في هذه الوزارة، لا يتوقف تحقيقها على «القوات»، فموافقتها أو عدمها أمر سيّان، لأنّ أي حكومة لا تبصر النور من دون موافقة رئيس الجمهورية وتوقيعه، وعون لن يوقّع مرسوم تأليف أي حكومة لا يشارك فيها «التيار» أو تلبّي رغبات باسيل، بحسب ما ترى جهات عدة.


من جهتها، توضح «القوات» أن ليس مهماً أن تُبدي استعدادها للمشاركة في الحكومة، فهذا «لا يقدّم ولا يؤخّر»، كذلك ليس مهماً أن يقدّم الرئيس المكلف تشكيلة الى رئيس الجمهورية وأن يغيّر هوية وزير الطاقة السياسية، إذ إنّ هذا التغيير لن يُترجم ولن يتحقّق ولن يوافق رئيس الجمهورية عليه. وهنا يُطرح السؤال الأهم، بحسب مصادر «القوات»: «إذا أبدت «القوات» استعدادها للمشاركة في الحكومة أو سَمّت وزيرا أو أربعة أو أكثر، هل سيوافق عون ويوقّع التشكيلة؟ وبالتالي هنا تكمن المشكلة، وليست المسألة متعلّقة بما إذا كان يجب على «القوات» أن تشارك أم لا، أو إذا كانت توافق على المشاركة أم لا.

 

الى هذا الإشكال الأساس المتعلّق بأنّ ولادة الحكومة لا يُمكن أن تتمّ الّا على يد عون، ترفض «القوات» المشاركة في الحكومة، ويأتي قرارها على مستويين كالآتي:
الأوّل، أنّ «القوات» سبق أن أعلنت وأكدت، منذ ما قبل انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، وتحديداً في 2 أيلول 2019، أنّ هذا النوع من الحكومات، أي حكومات الوحدة، لم يعُد يخدم الوضعية اللبنانية، وأنّ هذه الحكومات باتت تشكّل عبئاً على الواقع الوطني والسياسي والمالي، ولذلك يجب الذهاب الى حكومات من طبيعة أخرى. وبعد هذا الموقف اتجهت «القوات» الى عدم تسمية أي شخصية لتكليفها تأليف الحكومة، على رغم تدخُّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً لتسمية السفير مصطفى أديب إثر استقالة حكومة الرئيس حسان دياب في 10 تموز 2020. وهذا التوجه نابع من نقطة مركزية، وهي أنّه ليس مهماً تكليف رئيس وأن يؤلّف، بل انّ الأهم والأساس هو مدى قدرته على أن يحكم وعلى تأليف الحكومة المطلوب أن تؤلّف في هذا التوقيت. ولذلك يكمُن التحدي الأساس، بالنسبة الى «القوات»، في هذه القدرة، و»هذه القدرة غير متوافرة في ظلّ القبضة الحديدية لثنائي عون ونصر الله (الأمين العام لـ»حزب الله»). وفي ظلّ هذا الواقع، ترى «القوات» أنّه من الصعوبة أن يتمكّن الرئيس المكلف من أن يؤلّف وأن يقدّم التشكيلة التي تتوافق مع اللحظة الوطنية والسياسية والمالية.


على المستوى الثاني، لا تبني «القوات» موقفها حكومياً من عَدَمٍ أو «لا تجربة»، فهي كانت جزءاً لا يتجزأ من حكومتَي عهد عون الأولى والثانية، وعندما لمست أنّ هذه الممارسة لا تؤدّي الى المطلوب، أعلن رئيس الحزب سمير جعجع في المؤتمر الاقتصادي الذي عُقد في القصر الجمهوري في بعبدا، في 2 أيلول 2019، أنّ هذه المشاركة لم تعُد تؤدّي الى أي نتيجة. وبالتالي، وصلت «القوات» الى اقتناع بأنّ طريقة تأليف الحكومات لا تؤدّي الى المطلوب، لأنّه يجب في تأليف أي حكومة، أن يُحدَّد ما هو دور هذه الحكومة قبل تأليفها، وما هي وظيفتها في هذه المرحلة، فلكلّ مرحلة مقتضياتها وأولوياتها وتحدياتها التي يجب مقاربتها ومعالجتها.


إنطلاقاً من كلّ ذلك، تعتبر «القوات» أن ليس من المهم أن تُبدي استعدادها للمشاركة في الحكومة، بل المهم هو من سيوقّع هذه التشكيلة، وإذا كان سيوافق عليها أو يرفضها. هذا فضلاً عن أنّ «القوات» لن تمنح عهد عون دفعاً في نهايته، إذ «إنّنا على مسافة أشهر قليلة من ولاية الرئيس عون، فما نفع إعطاء غطاء شرعي تمثيلي سياسي وطني ومسيحي لحكومة معروفة أهدافها، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه، وأهدافها هي أن تَتسلّم من منصة سياسية كبيرة صلاحيات رئيس الجمهورية وأن تتولّى هذا الدور وأن تحاول انتزاع ما لم تتمكّن من انتزاعه من مكاسب وتعيينات في السنوات الست المنصرمة. وبالتالي، لماذا إعطاء هذه الشرعية والمشروعية لحكومة في أشهر أخيرة من العهد، فضلاً عن أنّها ستُستخدم نوعاً من عذر لعدم إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية؟».


لذك، يجب الآن، بحسب «القوات»، أن يكون التركيز على الانتخابات الرئاسية، وإنضاج الظروف الوطنية والسياسية للدخول في الاستحقاق في أيلول بجهوزية. إذ لا تكفي المهلة الدستورية، بل يجب أن تسبقها المهلة السياسية لإنضاج هذه العملية من خلال مسار رئاسي يُفضي في نهاية المطاف الى انتخاب رئيس للجمهورية.