"مسلسل" التشكيل بدأ "تركيّاً" كان أم "مكسيكيّاً"؟!

طُويت صفحة «الحبر السري» الذي استخدمه الرئيس نجيب ميقاتي بسقوط التجربة بـ»الضربة التسريبية» التي وجّهتها الدوائر «الصديقة» او «الموازية» لقصر بعبدا. وليس مهماً إن تسرّبت التشكيلة كوثيقة غير مسبوقة بـ»خط اليد» من ميرنا الشالوحي او من احدى غرف القصر، فقد تبرّأ منها رئيس الجمهورية وسجّلت السرايا استياءها وكأنها كانت تتوقع ان تبقى الصيغة سرية للغاية. وهو ما أوحى ببدء مسلسل التشكيل سواء اعتمد الرواية التركية او المكسيكية فسيّان.

 

عبّر كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي عن النية بتجاوز «أزمة التسريب» التي تعرضت لها أولى التشكيلات التي كان الاخير قد سَلّمها صبيحة اليوم التالي لاستشاراته النيابية غير الملزمة الى رئيس الجمهورية شارحاً الظروف التي دفعته الى التعاطي بهذه الطريقة وخصوصاً لجهة استخدامه «قلمه الخاص» للحفاظ على الحد الأقصى من السرية في التعاطي مع المهمة التي كلّف بها، والإسراع في إنجازها لمواجهة مسلسل الاستحقاقات الكبرى التي تواجهها البلاد وضَرب المحاولات الجارية للاتجار بالتشكيلة في مرحلة تحتاج فيها إلى ان يأتي كل يوم عمل بإنتاج إضافي لتعويض الخسائر التي تتكبّدها يومياً نتيجة العجز والفشل في مواجهة اي من الازمات الكبرى التي تناسلت وتوسّعت رقعتها لِتنهَش جسد وروح ومهمات مختلف القطاعات والمؤسسات الانتاجية والخدماتية بكلفة لا يستطيع احد تحمّلها مهما كانت قدراته، فكيف بالنسبة الى بلد على شفير الانهيار يفتقر الى الحد الأدنى من مقومات الصمود؟


وبعدما تمنّى ميقاتي ان تكون التشكيلة موضع درس لدى رئيس الجمهورية عَبّر عن النية بعدم الدخول في أي سجال مع احد غير معني بعملية التأليف (في اشارة واضحة الى رفضه ما يقود الى التجاذبات المحتملة مع رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل او اي طرف آخر) كما يحددها الدستور. وكان ميقاتي واضحاً في قوله ان الصيغة ليست مُنزلة ولا مقدسة لأنّ الأمور لا تستقيم من دون التفاهم بينهما لتوليدها. وللعلم والخبر فإنّ رئيس الجمهورية رَد على مطالعة ميقاتي في شكلها ومضمونها بمثلها، وابلغ الى الرئيس المكلف انه «سيدرس هذه الصيغة ويُبدي رأيه فيها»، كما قال بيان مكتب الإعلام في القصر الجمهوري الذي لفت الى انها «ستكون موضوع بحث عندما يلتقيان قريباً لمناقشتها وتبادل الآراء والأفكار في شأنها».


مَرّت ساعات قليلة على المفاجأة التي أحدثتها مبادرة ميقاتي في كثير من الأوساط السياسية والديبلوماسية إلى ان تسرّبت الصيغة بطريقة اعتاد عليها اللبنانيون. وبفارق دقائق محدودة تبنّت وسائل الاعلام «الصيغة ـ السبق» بطريقة هزلية للوهلة الاولى قبل التثبّت من خط ميقاتي وعما اذا كانت مزورة ام لا، فيما سارعَ آخرون الى البحث عن هوية وزير الطاقة المقترح وليد سنو ليتبيّن انه من المتعاطين بملف الطاقة المتجددة، وهو يعرف وزارة الطاقة وهي تعرفه، وعلى علاقة عمل مع الوزير المستبعد وليد فياض من دون التطلّع الى بقية الأسماء المقترحة سوى التوقف عند مشروع اعادة النائب السابق ياسين جابر الذي أُبعد عن مدار الانتخابات النيابية العامة في ظروف ما زالت مُلتبسة الى اليوم، ليعود الى الساحة المالية والنقدية من بوابة وزارة المال. كما توقّف آخرون امام الحل الذي اقترحه ميقاتي بتسمية النائب سجيع عطية وزيراً للمهجرين كحل يتجاوز به مشكلة تمثيل عكار التي واجَهته فور انتهاء الانتخابات النيابية، كما انتهت اليه لجهة تشكيل كتلة نيابية موسّعة ربطت بين عكار وطرابلس بطريقة لم تعرفها المنطقة منذ دورات انتخابية عدة كانت فيها التكتلات الحزبية تُجري تصنيفاً مختلفاً بين نوابهما. ولم يتجاهل المراقبون حجم «الهدية - الترقية» التي أهداها ميقاتي الى حزب الطاشناق بتسمية وزير الصناعة وزيراً للاقتصاد بعد الاقتصاص من وزير احتُسِب على فريقي العهد وميقاتي لمكافأة الحزب على مَنحه التسمية للتأليف بعد خروجه على موقف كتلة «لبنان القوي» التي اصطفّت الى جانب أحزاب المعارضة والتغييريين ونادي «عدم التسمية».


وبمعزل عن هذه القراءة لما جاءت به تشكيلة ميقاتي في الصيغة الأولية المقترحة، فقد تسبّب تسريبها بالطريقة التي اعتمدت بإحياء الذاكرة ربطاً بما تركته تصرفات سابقة وسيناريوهات اعتمدت كوسيلة للتعاطي بين رئيس الجمهورية وفريقه وكل من ميقاتي والرئيس سعد الحريري في الحكومات الثلاث الاخيرة لهما بطريقة أوحَت بوجود نية بتشكيل الحكومة على «الحامي»، من خلال استخدام كل الوسائل التي تقود الى القراءة في النيات وتبادل الافخاخ والمكائد وإشراك الرأي العام في سباق الى التصعيد قبل ان تتم التسوية التي تطوي صفحات من التجريح المُتبادَل الذي تجاوز كل السقوف المعهودة في مناسبات ومحطات مماثلة.

وعليه، يتوقف المراقبون أمام حجم الاتصالات التي أجريت لمنع وقوع الخلاف المبكر بين بعبدا التي من المفترض ان تسعى الى حكومة بكل المواصفات الدستورية لإمرار الفترة الفاصلة عن نهاية العهد من جهة والسرايا التي تجمع في ادارتها للشأن الحكومي بين صيغتَي «تصريف الأعمال» وعملية «التأليف» للتخفيف من مضار اي مواجهة وكلفتها على الطرفين. فقد كان ثابتاً لدى المراجع المعنية انّ من مصلحة بعبدا التوصّل الى صيغة حكومية جديدة توفّر الحد الادنى مما يسمح بإحياء ما يمكن إحياؤه من ثقة مع العالمين العربي والغربي اللذين لم يُعِرا يوماً الأهمية لهوية وجنسية وزير الطاقة او الاقتصاد السياسية والحزبية وخصوصاً بعدما تحوّل مندوبو المؤسسات الدولية والموفدين الأممين إلى وسطاء خَير يسعون إلى المصالحة بين اطراف الحكم والحكومة لتأدية خدمة يطالبون بها المجتمعين الدولي والأممي.

على هذه الخلفيات عقد اللقاء الثاني بين عون وميقاتي امس وبمعزل عمّا شهده من عتاب عبّر عنه ميقاتي جرّاء تسريب الاقتراح الخاص، ليس خوفاً على تعميم خطّه بل لأنّ سعيه كان للاحتفاظ بالنسبة الاعلى من سرية اقتراحه، وهو امر لا يصح في لبنان، فأي سرّ شاع بين الاثنين باتَ ملكاً لكل الناس. وبعد ان بَرّد عون من ردة فعل ميقاتي تبادلا ملاحظات عدة اقترح خلالها ميقاتي تبديل اسماء محدودة من تشكيلته واستمع الى ملاحظات عون الذي طرحَ إمكان توزيع التشكيلة الى 30 وزيراً بعدما طالت ملاحظاته وزراء آخرين، عدا عن اسئلة عدة سأل فيها رئيس الجمهورية عن الاسباب التي دفعته الى التعاطي بطريقة غير متوازنة عند إعادة النظر في بعض الحقائب على خلفيات لم يرتَح لها رئيس الجمهورية، فالتقيا على مبدأ اعادة النظر في أكثر مما كان مطروحاً من حقائب وأسماء في انتظار الحلقات المقبلة بينهما.


وبناء على ما تقدم، وفي ظل فقدان كثير ممّا يوحي به الجو في العلاقات غير الودية بين عون وميقاتي، تخشى المراجع المعنية ان يكون مسلسل تبادل الملاحظات طويلاً الى ان يقترب من الافلام التركية او المكسيكية لا فارق، الى ان تعبر المرحلة الفاصلة عن نهاية الولاية الرئاسية. فهل تقطعها الدعوة الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية ليوفّر بانتخابه على البلاد والعباد مزيداً من النوائب والمصائب؟