بين إثبات الوجود وتسجيل المواقف، لبنان يغرق

لم يتبدّل المشهد السياسي اللبناني بعد الإنتخابات النيابية عما كان عليه قبل تلك الإنتخابات، حتى كتابة هذه السطور أقله، رغم تغيّر الخارطة السياسية بشكل ملموس بنتيجة تلك الإنتخابات التي لم تأتِ لصالح الكتلة المنظومة للسلطة التي ما زالت حاكمة ومن دون أن تكون بالضرورة لمصلحة القوى المعارضة والتغييرية على الرغم من النتائج الجيدة التي حققتها

 الحسم إذن لم يحصل، وأقلية الممانعة ما زالت تنعم بقوة منصب الرئاسة الأولى في نهاية ولايتها والرئاسة الثالثة في بداية ولايتها السابعة بانتظار ما ستؤول إليه المشاورات الجارية بين الأطراف المعنية بتسمية رئيس للحكومة، وهنا بيت القصيد الذي قد يكون الإستحقاق الأول القادر على ترجمة حالة الوعي للمخاطر الآتية على البلاد والسعي لإعادة إنتاج السلطة التنفيذية كما إعادة تكوين نهجاً صالحاً للحكم من خارج الخيارات المطروحة بين الوحدة الوطنية والهيمنة السلطوية التي تفشل في جميع الإختبارات الوطنية وآخرها مسألة النزاع الحدودي البحري مع الكيان الإسرائيلي،

هذا الموقف الذي يشهد وحدة لناحية المطالبة بحقوق لبنان كاملة وانقساماً لجهة كيفية مواجهة تحدي "كاريش" الذي يستغلّه "حزب ا ل ل ه" للتأكيد على أهمية سلاحه غير الشرعي وغير الضروري.  

حذرنا قبل الإنتخابات من الإنقسام والتشرذم بين قوى المعارضة والتغييرية وبين قوى التغيير نفسها وحصل ما توقعناه من النتائج التي لم تأتِ على حجم الآمال المعلّقة لترجمة مطالب ثورة "١٧ تشرين" بانقلاب أبيض يطيح بالمنظومة الحاكمة دون لبس وغموض ويقفل الباب على التحليلات ويحجب الشرعية الشعبية عن أطراف منظومة الفساد والسلاح التي عاثت وتعيث بالبلاد خراباً للمؤسسات وتدميراً لمقومات العيش الكريم وعدم توفّر الحد الأدنى من ركائز الدولة في أبسط الأمور التي تمثلها ربطة الخبز إلى أعقدها الممثلة بحقل كاريش.  

هذا الإنقسام قبل الإنتخابات برّره البعض بلعبة إثبات الوجود والتأسيس لحالة تراكمية يمكن استثمارها في الإستحقاقات الديمقراطية القادمة وهذا الطموح مشروع ومناسب ولكنه جاء في غير وقته المناسب، وما يزيد في طين النتائج غير الحاسمة بلّة، المعارك الوهمية والغوغائية تحت شعار تسجيل موقف فرض انتخابات اللجان النيابية في ظل تشرذم قوى المعارضة وهذا ما أدى إلى تسلل قوى المنظومة إلى تلك اللجان مقابل حضور متواضع لقوى التغيير التي برأيها سجلت موقفاً ولكنها خسرت حضورها وفعاليتها.  

الإمتحان القادم آت ولو بعد تأجيل، وقوى المنظومة ستتوحّد في نهاية المطاف حول إسم رئيس الحكومة المكلّف الذي سيكون بطبيعة الحال غير مطابق لمواصفات القوى المعارضة والتغييرية ولكنه سيكون الأقوى بحكم الأمر الواقع بحصوله على ما يقارب ٦١ صوتاً مقابل تسمية أكثر من شخصية مطابقة للمواصفات السيادية والإصلاحية من دون أن تتمكن أي شخصية منها من بلوغ عتبة ٦٢ صوتاً لتسميتها فيبقى لبنان رهينة الأوضاع إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وما بعد بعد تشكيل حكومة جديدة.  

ما يحول دون هذا المشهد السوداوي هو التواضع من أجل استفاقة في وقتها واتفاق القوى المعارضة والتغييرية على إسم مرشح واحد يذهبون به إلى الإستشارات النيابية الملزمة في قصر بعبدا لفرض توازن قوى على الرئاسات قادر على إحداث التغيير المنشود بنسبة مقبولة  هذا الأمر ممكن جداً ويتطلب فقط بعضاً من الثقة بالنفس أولاً للخروج من دائرة إثبات الوجود وتسجيل المواقف إلى رحاب ممارسة الأكثرية النيابية لدورها وواجباتها ومسؤولياتها، وبغير ذلك سيبقى لبنان منشغلاً بمن صوّت لمن ومين بيّو أقوى ونصب الكمائن وأكثرية تعارض وأقلية تحكم واللعنات تنصبّ على الجميع "كلن يعني كلن وقوى التغيير منن"