البنك المركزي في بلد مدولر يتحوّل ضررًا يجب استئصاله! الدكتورة ليال منصور لإينوما: تثبيت سعر الصرف كان وهمياً

تقارير | 11-03-2022

أصبح انهيار العملة اللبنانية الشغل الشاغل للبنانيين وهمهم اليومي، نظرا لتداعياته على حياتهم اليومية والمعيشية وتأثيره المباشر على القدرة الشرائية التي تراجعت بشكل دراماتيكي ومتسارع في السنتين الاخيرتين، ورغم كثرة التحليلات لاسباب الانهيار والتلاعب بسعر الصرف ومحاولات التعمية على الحقيقة التي وصلت اليها قيمة الليرة اللبنانية الفعلية، الا ان هناك ثابتة واضحة لا يمكن انكارها ان السلطة اللبنانية والمسؤولين عن رسم السياسات على اختلافها يعيشون حالة انكار عظيم ويستمرون بإيهام الشعب اللبناني بأن الحل في لبنان اقتصادي بحت وانه يمكن ايجاد حلول بمعزل عن الواقع السياسي المأزوم.

بعد ثباتٍ دام لنحو شهرين في سعر صرف الدولار عاد الى الارتفاع بشكل هستيري، أرجعه البعض لانعكاسات الازمة الاوكرانية - الروسية على العالم ولبنان ولكن هل هذه القراءة حقيقية أم أن هناك اسبابا اخرى وراء ما يحصل؟

تؤكد الاختصاصية بالاقتصاد النقدي في البلدان المدولرة ليال منصور لإينوما  ان تثبيت سعر الصرف في الشهرين الماضيين كان وهميًا لسبب علمي الا وهو عدم امكانية استخدام تقنية تثبيت سعر الصرف الا اذا ترافقت مع برنامج لاعادة بناء لبنان والحصول على مساعدات خارجية نتيجة للثقة العالمية بالاقتصاد اللبناني والسياسة اللبنانية، وهذا ما اعطى لبنان فرصة نجاح تثبيت سعر الصرف في التسعينيات ما يختلف الى حد كبير عن واقع اليوم، فهذه التقنية فشلت في مكان ما وادت الى ازمة بدل الحل، وبالتالي نحن بحاجة اليوم الى نظام نقدي جديد وهنا يجب التمييز بين ازمة المصارف والبورصة وسعر الصرف.

تعتبر منصور ان ازمة العملة مقابل الدولار تحتّم التغيير لبدء مرحلة جديدة انطلاقا من مبدأ عدم امكانية تجديد الثقة بالعملة اذا فقدت لاستحالة ذلك فهي ليست كالعقار او البورصة، وبالتالي يحتاج لبنان اليوم الى عملة جديدة، وهنا نحن امام حل من اثنين مع استحالة تكرار تجربة التثبيت للاسباب التي ذكَرَتها، اما تشكيل مجلس نقد currency board  - دولرة شاملة او تحرير العملة.

وعن المشكلة الاساسية التي ادت الى فشل محاولة تثبيت سعر الصرف تعتبر منصور في حديثها لإينوما ان السبب يعود لان الدولار لا يساوي فعليا عشرين الف ليرة كما ثبّتته منصة صيرفة، بل ان سعر الصرافين هو الاقرب الى السعر الحقيقي، كذلك لم تحصل اي اصلاحات او تطورات اعادت الثقة التي يحتاجها البلد لتترافق مع فعل التثبيت، والامر ليس مجرد وجهة نظر بل يرتكز الى العرض والطلب. واشارت الى مشكلة اساسية يعانيها لبنان الا وهي دولرة الاقتصاد اللبناني والذي يفسّره البعض بشكل خاطئ على انه يعني الاستيراد، في وقت تعني الدولرة ان بلدنا لا يستخدم عملته الوطنية بل عملة بلد آخر، وكون اقتصاد لبنان مدولر بنسبة 80% هو بمثابة مرض السرطان، اي اننا نعيش اخطر مرحلة بالدولرة التي بدأت منذ 40 سنة وهي ليست حالة مستجدّة، وبالتالي لا طلب على الليرة اللبنانية منذ سنوات لذلك نحن لم نصل الى الازمة الحقيقية بعد وبالتالي اي احتمال لتحرير العملة سيوصلنا الى الكارثة، لا سيما وان اقتصاد لبنان كان مدولرًا بنسبة 70% في أحسن ظروفه وأيامه، فليس هناك اي امكانية اليوم في ظل الانهيار ان يكون هناك طلب على المستوى العالمي لليرة اي لا طلب عليها لا من الداخل ولا من الخارج وهذا ينذر بأزمة طويلة الامد اذا لم يتم تغيير نظام العملة.

من الحلول المطروحة بحسب منصور الخبيرة بالاقتصاد النقدي في البلدان المدولرة، الاستغناء الكلي عن الليرة والدولرة الشاملة او اعتماد نسخة معادلة للحل عبر انشاء مجلس النقد وفق آليات تنفيذية محددة، تُعتمد عادة في البلدان المدولرة بنسب تفوق ال60 في المئة وعن تأثير السيطرة والهيمنة الخارجية وغياب الدولة على امكان انشاء مجلس، أكّدت منصور ان الازمات في البلدان التي تعاني ازمة هوية ومشاكل جيوسياسية مع الدول المجاورة هي التي تضمن نجاح مجلس النقد بحل الازمة والذي يؤدي الى استقرار على المدى البعيد ويحتم استمراره لفترة طويلة اقله لجيلين.

فمجلس النقد يتأثر بقيمة الدولار عالميًا بدلا من تثبيت سعر الصرف ما يلغي دور المصرف المركزي ويحل مكانه لان الدولرة الشاملة تعني الاستغناء عن السياسة النقدية وبالتالي اي وجود للمصرف المركزي  يتحول ضررًا في البلد المدولر، وشبهت البنك المركزي في وضعنا الحالي بالعضو الملتهب في الجسم والذي يتوجب استئصاله.

وفي وقت حدّد بعض المنظّرين سقفا لسعر الدولار مقابل الليرة اذا تم تحرير سعر الصرف، ترفض منصور اعطاء رقم محدد مؤكدة ان لا احد يستطيع التخمين خصوصًا ان تحديد سقف ارتفاع سعر الليرة امام الدولار أمرٌ مستحيل في ظل غياب الطلب على الليرة، علما ان المصرف المركزي بتدخّله في السوق وتثبيت سعرف الصرف ساهم بحصول تقلص وكان تدخله مضرًا وغير متلاءم مع الواقع الاقتصادي الذي نعيشه.

يعلم المصرف المركزي انه في غياب النمو وعدم دخول الدولار من الخارج يزيد التضخم ومع ذلك اوقف طبع الليرة حتى لتغطية الحاجة الاساسية منها من دون اي خطة مدروسة مترافقة مع تثبيت سعر الصرف الوهمي.

لا يمكن ان ننكر ان الاقتصاد والشعب اخذوا نفسا من هذا التثبيت الموقت الوهمي رغم كونه كذبة اقتصادية، فتحولت الكتلة النقدية بالعملة اللبنانية الى الدوران داخل  البلد من دون ان تؤدي الى اي تحسن في الاقتصاد لغياب عوامل الثقة المطلوبة فاستقر الوضع بصورة مشابهة للاستقرار الذي يؤمّنه مجلس النقد مع فارق وحيد وهي الثقة التي ترافق انشاءه ما يؤدي الى تدفق الاموال من الخارج فتتحسن الدورة الاقتصادية من دون الحاجة الى الزيادة في طبع العملة والتضخّم.

كل ما تقدم ادى الى انكماش مصحوب بتضخّم لان تجربة التثبيت هي نسخة غير اصلية عن الحل المطلوب عبر انشاء مجلس النقد.

يبقى السؤال ما هو التوجه الذي ستتخذه السلطة وهل سيستفيق الضمير الوطني والاقتصادي لاجتراح الحلول المجرّبة والتي ادت الىى نتائج ايجابية في الاقتصادات التي تشبه اقتصادنا المدولر لا سيما وان تشبيه الازمة اللبنانية بالازمة اليونانية او القبرصية ومحاولة اسقاط الحلول هناك على الحالة اللبنانية في غير محله. فهل من يملك الارادة والنوايا الصافية لوضع حد للتدهور الاقتصادي الى حين تغيير النهج السياسي فتصبح السياسة في خدمة الاقتصاد وليس العكس؟