وتُفيد المعطيات أن وزارة الداخلية والبلديات تجاوزت المسار القانوني الذي يجب أن تتبعه المزايدة العلنية، مُتخطّية دور إدارة المناقصات في التفتيش المركزي في مراقبة آلية تنظيم هذه المزايدة، ما دفع إلى طرح تساؤلات كثيرة حول أسباب تجاهل دور إدارة المناقصات من جهة، وحول ممارسات عدة رافقت هذه المزايدة من جهة أخرى، أبرزها عدم توقيع رئيس اللجنة المكلفة بيع الآليات على محضر تخمين الأسعار.

«التكويع» عن إدارة المناقصات
بتاريخ 18/9/2017، أودعت وزارة الداخلية والبلديات إدارة المُناقصات ملف مُزايدة تلزيم بيع آليات هالكة كانت تُستخدم في كنس وجمع النفايات في بيروت. بعد شهر، في 18/10/2017، ردّت إدارة المُناقصات الملف طالبةً إجراء «بعض التصحيحات عليه» أو «إجراء بعض التوضيحات اللازمة»، وإعادته مع نسختين وcd ليُصار إلى تحديد موعد التلزيم وفق الأصول. المُلاحظات التي نصّت عليها إدارة المُناقصات تمثّلت بوجوب تحديد سعر الإفتتاح للمزايدة، إضافة الى أن التصريح وبيان الأسعار لم يُرفقا بدفتر الشروط، فضلا عن وجوب تحديد طريقة تقديم التأمين المؤقت والتأمين النهائي وقيمة التأمين المؤقت (...).
لم تمتثل «الداخلية» لطلب إدارة المُناقصات، وشكّل وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق (القرار 301 في 5 شباط 2108) لجنة «تكون مُهمتها بيع 119 آلية هالكة (قبل أن يتحول العدد في ما بعد الى 114) كانت تُستخدم في كنس وجمع النفايات في مدينة بيروت وضواحيها، وذلك بطريقة المُزايدة العلنية على أساس تقديم الأسعار وفق دفتر الشروط الخاص الموضوع لهذه الغاية»، وفق ما نصّت المادة الأولى من القرار، على أن يتم إيداع الأموال المُتأتية من البيع في الحساب الخاص باسم الصندوق البلدي المُستقل في مصرف لبنان.

ورغم أنّ المديرة العامة للإدارات والمجالس المحلية بالتكليف فاتن أبو الحسن لفتت نظر الوزير، في كتاب بتاريخ 16 آذار عام 2018، الى أنّ إجراء المزايدة من قبل اللجنة يخالف أحكام المادة 47 من قانون المحاسبة العمومية لجهة ضرورة مرورها بادارة المناقصات على اعتبار أن المزايدة العمومية تخضع للاحكام المختصة بصفقات اللوازم والأشغال. إلّا أنّ الوزير ردّ على الكتاب بالطلب من المديرية «التقيّد بمضمون القرار رقم 301 والعمل على إجراء المُزايدة العمومية». ما يثير تساؤلات عدة حول سبب التفاف «الداخلية» على المسار القانوني، خصوصا أنها كانت قد لجأت الى إدارة المناقصات في بداية الأمر، ما يعني «اعترافها» بوجوب المرور بالإدارة. وثمة من يُثير شكوكاً وشبهات حول تجاوز الوزارة، خصوصا أن الملاحظات التي ردّت بها إدارة المناقصات تبدو «عادية»، وهي أقرب الى الشكلية. أما الملاحظة التي تتعلّق بوجوب تحديد سعر افتتاح المزايدة، فهو أمر «بديهي»، على حد تعبير مصادر إدارة المناقصات التي تؤكد وجوب الرجوع الى الادارة في مسألة تنظيم المزايدة.
إلى ذلك، تسأل مصادر مُطّلعة على الملف عن سبب تعيين ممثل عن مجلس الإنماء والإعمار في اللجنة المكلفة بيع هذه الآليات، مُشيرةً الى أن قانون المحاسبة العمومية يفرض أن يكون أعضاء اللجنة من الإدارة.

شكوك حول تخمين الأسعار
بتاريخ 12/1/2018، اجتمعت اللجنة المكلفة بيع الآليات بالمزاد العلني في حضور بسام فرحات عن مجلس الانماء والاعمار ومحمد جابر عن وزارة المالية وفي غياب رئيس اللجنة نورما نصير. بحسب محضر الاجتماع، قدّرت اللجنة السعر الإجمالي لهذه الآليات الخردة والتي يبلغ عددها 114 آلية اضافة الى خمسة صناديق خردة بسعر يتراوح بين 256 مليون ليرة و312 مليون و500 ألف ليرة، وارتأت تحديد سعر افتتاح المزايدة بـ 217 مليون ليرة على أساس تنزيل 15% من السعر الأدنى. بهذا المعنى يغدو سعر الآلية الواحدة نحو مليون و900 ألف ليرة لبنانية.
المصادر المتابعة للملف أثارت شكوكا حول سعر الافتتاح المنخفض، على اعتبار أنّ «سعر الحديد وحده أعلى من السعر المّحدّد». كما أن اللافت أن المحضر لم يحمل توقيع رئيسة اللجنة، «وهو أمر يدعو الى التساؤل وطرح الشبهات»، على حدّ تعبير المصادر. «الأخبار» حاولت التواصل مع المعنيين في وزارة الداخلية للردّ على الشبهات المُثارة حول المزايدة، إلّا أنها لم تلقَ جواباً، فيما قال مُستشار إعلامي للمشنوق إن «الوزير مسافر الى السعودية».



خمس آليات «مفقودة»؟
حدّد القرار رقم 301 الصادر عن وزير الداخلية نهاد المشنوق تاريخ 5 شباط 2018، أعداد الآليات المراد بيعها في المزايدة بـ 119 آلية متهالكة. بتاريخ 17 أيار الماضي، اتخذ الوزير قرارا قضى بتعديل خطأ مادي ورد في القرار وحدّد عدد الآليات بـ118 آلية. بتاريخ 13 حزيران 2018، صدر عن الوزير المشنوق قرار رقم 1240 عدّل فيه عدد الآليات المعروضة للبيع الى 114 آلية بدل 118. ما يعني أن هناك خمس آليات «فُقدت» خلال أربعة أشهر، وهي المدة التي فصلت بين صدور قرار البيع «الأساسي» وقرار البيع الذي سبق موعد إجراء المزايدة.