مجد فرنسا الضائع في الشرق الأوسط هل يستعيد ماكرون لباريس مرقد عنزتها في لبنان؟

 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2021-02-05
يبدو أن الفرنسيين يبحثون عن مرقد عنزتهم الضائع في الشرق الأوسط. فالى جانب التواجد الروسي والصيني في هذه المنطقة التي أخلتها الولايات المتحدة أو على الأقل يعتقد أنها تركتها، تسعى فرنسا الى فرض نفسها كجزء من هذا الوجود. في السادس من آب/ أغسطس قام الرئيس ماكرون بزيارة الى لبنان حيث اجتمع بالمسؤولين اللبنانيين توجه بعدها الى العراق حيث عقد عدة اجتماعات مع الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالاضافة الى رئيس حكومة اقليم كردستان نيجيرفان بارزاني.

الى جانب هذه الرحلات المكوكية كان ماكرون قد عزز الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة مع نشر وحدات بحرية بما في ذلك حاملة طائرات هيلكوبتر ترافقها فرقاطة في شرق البحر المتوسط.

جاءت زيارة ماكرون الى لبنان اثر أكبر ثالث انفجار في العالم تعرضت له العاصمة بيروت حاصدا المئات من المواطنين ما بين قتيل وجريح ناهيك عن الدمار الذي خلفه وراءه، بالتزامن مع وصول القوات والطائرات الفرنسية الى جزيرة كريت اليونانية، ومع ظهور المقاتلتين في قبرص حيث قدمت الوحدات البحرية على وجه الخصوص عرضا للارتباط بالبحرية اليونانية.

لطالما اعتقد صانعو السياسة الفرنسيون بأن فرنسا لا تزال موجودة بقوة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط. فهم الى جانب صادراتهم اللوجستية لعدة بلدان، كان لهم دور برفقة الأميركيين والبريطانيين في مجموعة من العمليات العسكرية، وشاركوا في عمليات مكافحة الارهاب خاصة في شمال أفريقيا. وأعلنت فرنسا مرارا أنها تسعى الى ايجاد حل للصراع الاسرائيلي الفلسطيني.

اليوم، يبدو الفرنسيون أكثر جدية بشأن دورهم في هذه المناطق، ويدعي ماكرون أن فرنسا مستعدة للضغط بقوة من أجل تحقيق النظام والاستقرار في المنطقة.

هذا التبدل الفرنسي ينطوي على أسباب ثلاث حسبما يرى المراقبون: اللاجئون، الطاقة وتركيا.

منذ ما يقارب عقد من الزمن سعى الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الى التدخل العسكري الدولي لاسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي، ليس من أجل احقاق الديموقراطية حتما بل انه كان قلقا من تهديدات القذافي بالرد على انتفاضة قامت ضده والتي قد تسبب تسونامي من اللاجئين الى الشواطئ الأوروبية. يبدو اليوم أن القلق نفسه يقود ماكرون الى ليبيا لكن مع نهج مختلف. فبدلا من التخلص من ديكتاتور، يبحث ماكرون عن شخصية يوصلها الى السلطة. وبالتالي، عندما اتفق الفرنسيون مع الجنرال حفتر اعتقدوا أن هذا الأخير يمكن أن يكون الرجل القوي الذي تحتاجه فرنسا للحفاظ على تماسك ليبيا، وبالتالي منع الليبيين والأفارقة من النزوح الى جنوب أوروبا.

من جهة أخرى، تعتبر مشكلة اللجوء هذه سببا دفع ماكرون ايضا الى التدخل في لبنان. قد يبدو هذا التدخل في ظاهره حنينا فرنسيا الى الماضي ولكنه ينطوي على قلق من ظهور شتات لبناني جديد في أوروبا، فماكرون لم ينس موجة اللاجئين السوريين التي عصفت بالسياسة الأوروبية وساهمت في نجاح الأحزاب القومية اليمينية والنازية الجديدة في عدة دول، وهذا ما يسعى الرئيس الفرنسي الى تجنبه خاصة وانه يتحضر لدورة انتخابية جديدة في عام 2022.

من المهم أيضا التذكير بأن الثروات التي تحتوي عليها الأراضي الليبية والعراقية اضافة الى المياه اللبنانية والقبرصية، هي بلا شك موضع اهتمام من قبل الفرنسيين، اذ تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا وخامس أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، ولهذا تعمل شركة توتال الفرنسية في ليبيا منذ سبعة عقود تقريبا. أما في العراق فتمتلك توتال أيضا 22.5% من كونسورتيوم يدير حقل حلفايا النفطي، بالاضافة الى 18% في منطقة استكشاف في اقليم كردستان. كما أنها، أي شركة توتال، شاركت في التنقيب عن الغاز قبالة الساحل اللبناني حيث يعتقد بوجود كميات وفيرة من موارد الطاقة. ولأن الفرنسيين تمايزوا في كثير من الأحيان عن الولايات المتحدة فيما يخص القضايا الاقليمية، خاصة فلسطين والعراق، فقد اكتسبوا سمعة طيبة في الشرق الأوسط لدعمهم مبادئ حقوق الانسان.

مع ذلك، فقد حجبت هذه التناقضات حقيقة أن الفرنسيين يسعون الى حماية مصالحهم التجارية في المنطقة باصرار كبير، بما في ذلك جهودهم المتقدمة للاستفادة من موارد الطاقة في المنطقة.

أما بالنسبة لتركيا فتنطوي النوايا السيئة للبلدين على نفور واضح متبادل بين ماكرون ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. لطالما كانت الدولة الفرنسية تشكك في النوايا المعلنة لتركيا من أجل الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. وبغض النظر عن السياسات التركية القمعية التي تحول دون انضمامها، من الواضح أن المسؤولين الفرنسيين يرون أن الاتحاد الاوروبي يجب أن يضم فقط بلدانا ذات غالبية مسيحية متوافقة مع جغرافيا محددة، في مواجهة دول قائمة على مجموعة من الايديولوجيات والمعايير المختلفة قد تنضم اليها تركيا في المستقبل. فحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا هو مثلا حزب أكثر استبدادا وقومية وعدائية على الصعيد الدولي، وأكثر اسلامية مما كان عليه عندما اعتبره كثيرون في الغرب بمثابة الرائد الجديد لسياسة جديدة أكثر انفتاحا وليبرالية في تركيا والعالم الاسلامي.

بطبيعة الحال، فان تهديد تركيا باطلاق العنان للاجئين الى أوروبا لم تلق استحسانا في الأوساط الأوروبية ولدى صناع السياسة الفرنسيين.

يضاف الى هذه المشاكل سياسة تركيا العدوانية تجاه شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال افريقيا والمشرق. وتعتبر باريس أن التنقيب عن الغاز التركي قبالة قبرص يهدد أحد أعضاء الاتحاد الاوروبي والمصالح التجارية الفرنسية. هذا ويتعارض دعم أنقرة لحكومة طرابلس مع رغبة فرنسا في احتواء مشكلة اللاجئين ويعرقل جهودها لمحاربة المتطرفين في منطقة الساحل المجاورة. واذا تحولت ليبيا الى الفلك التركي كما يبدو أنه حاصل اليوم، فعلى المسؤولين الفرنسيين أن يعيدوا النظر في علاقة شركة توتال الفرنسية بطرابلس.

خلال زيارته للعراق في أيلول 2020 شدد ماكرون على سيادة العراق وعلى دعمه للحكم الذاتي في اقليم كردستان. رسالة الى تركيا مفادها أن المجموعة الدولية لن تغض النظر عن العمليات العسكرية التي تقودها أنقرة ضد حزب العمال الكردستاني بالتزامن مع اعتراضات المسؤولين العراقيين.

ان المشكلة الكبرى بين باريس وأنقرة تقع في البحر المتوسط، فاستياء فرنسا من تنمرد تركيا على كل من قبرص واليونان مرتبط ارتباطا وثيقا ومباشرا بالاتفاقية البحرية التي أبرمتها أنقرة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس أواخر عام 2019. واعتبر الفرنسيون أنهم لن يبقوا مكتوفي الأيدي ازاء سياسة تركيا التقسيمية لصالحها بشكل أساسي في البحر المتوسط، ناهيك عن رد أنقرة على التحدي الجيو استراتيجي المتمثل في التحالف بين اليونان ومصر وقبرص واسرائيل ضدها، وهذا ما اعتبره الفرنسيون محاولة تركيا فرض سيطرتها في المنطقة. وبالتالي، فان توطيد فرنسا لعلاقتها مع اليونان وقبرص بالاضافة الى الجهود الديبلوماسية الناجحة لمساءلة أنقرة في القمة الأخيرة لدول البحر المتوسط في اوروبا، شكل ضربة موجعة للدبلوماسية في أنقرة.

بالنظر الى الحركة السياسية التي تقودها فرنسا في المنطقة ونجاحها في حشد تحالف يلجم التوسع والتعنت التركي القمعي يبدو أن ماكرون يحوز على الأفضلية حتى الآن.

ولكن يبقى أن نسأل: هل ينجح ماكرون في استعادة مجد فرنسا الضائع في المنطقة؟