التطرف بين الفكري والديني

 
آفــاق | 2020-09-18
ینتشر التطرف الفكري في جمیع أنحاء العالم ولكن بصور ونسب متفاوتة ، ويتمدد على وجه الخصوص في الدول المنغلقة فكریاً ، والتي یغیب فیها الحوار والتفاهم ویكون فیها المجتمع ضعیفا ومهزوماً فكریاً. يمكننا ببساطة تعريف التطرف الفكري بأنه كل نشاط من شأنه أن يعمل على فرض رأي محدد ، أو يجبر الآخرين على سلوك ما يعتقد من يقوم بممارسته أنه على حق.

هناك اختلاف في وضع إطار عام محدد وواضح لمفهوم التطرف بالنسبة لبعض المجتمعات، وذلك نظراً لاختلاف الآیدیولوجیات والفلسفات الفكریة في دول العالم ، ونتیجة لاختلاف العقائد الدینیة بین المجتمعات البشریة ، فكلُّ فلسفة وفكر معین یتبنى تعریف خاص لمفهوم التطرف وذلك حسب ما یخدم مصالحه من جمیع الجوانب والاتجاهات سواء أكانت سیاسیة أم فكریة أم اجتماعیة أم اقتصادیة وحتى الدینیة منها ، فهناك من یصنف بعض الأعمال التي تمارس على المستوى الفردي أو الاجتماعي إرهابا ً، وهناك من ینظر لها على أنها أعمال مشروعة من حق الفرد أو المجتمع أن یقوم بها ، ولا یصنفها إرهاباً.

وبهذا یمكن القول إنَّ جمیع دول العالم مهددة بخطر التطرف والإرهاب وخاصة الفكري منه ، نظرا لعدم الاتفاق على معنى محدد وواضح سواء للتطرف اوالإرهاب تتفق علیه جمیع دول العالم بجمیع فلسفاتها و أفكارها ومعتقداتها المختلفة. إن الاختلاف وعدم الاتفاق على فكرة واضحة هو أساس الإرهاب الفكري حيث تكمن خطورة هذه الظاهرة بارتباطها بمجالات عديدة ، ولعلّ أهمها السياسة والدين.

سياسياً يتمظهر التطرف الفكري من خلال الدفاع الشرس والعنيف عن الإيديولوجيات والأهداف الحزبية ، رافضاً بذلك كل منتقد معتقداً بنموذجية آرائه ، الأمر الذي يؤدي إلى نفي الحريات الدستورية كحرية التعبير عن الآراء السياسية وحرية الانتماء للأحزاب السياسية ونظراً لارتباطه بمعطيات العنف ، فإنّ التطرف الفكري يمثل كذلك تهديداً صريحاً للحرمة الجسدية المحمية من قبل مختلف الأنظمة القانونية.

 وستتعمق هذه الظاهرة الاجتماعية المدمرة من خلال امتزاجها بما هو ديني ، إذ إنّ كل ذات متدينة تقرّ بعلوية وتفاضلية مقدّسها على بقية الديانات ، الأمر الذي يجعل من خطابها مبنياً بالأساس على دلالات التطرف الديني ، رافضة بذلك معطى الحوار ومعتمدة العنف كوسيلة للإقناع. فالغاية من الحوار لا تبادل الأفكار في كنف الإثراء المعرفي  وإنما الغاية منه التسليم والإقرار بنموذجية مقدّس الذات الدوغمائية. ولعل الصراعات الدينية والطائفية الدامية تعدّ خير دليل لتجسيد مفهوم الإرهاب الفكري.

الحديث عن ظاهرة الإرهاب الفكري وحضورها المكثّف في المجتمعات العربية يقتضي التطرّق للأسباب التي أدّت لاستفحالها والحول دون الحدّ منها، ما يطرح عدّة أسئلة كما يلي: إلى أي مدى يمكن لكائن مفكر بطبعه أن يتعايش مع دلالات التعصب الفكري؟ ألا يُعدّ غياب التفكير وإعمال حجة العقل سبباً رئيساً أدى لاستفحال ظاهرة الإرهاب الفكري؟ أليس من الضروري الـتأسيس لمقومات فكر موضوعي، منطقي وعقلاني للحد من تمظهرات التعصب؟ ألم يحن الوقت بعد للتخلى عن عادة العزوف عن القراءة والتفكير والكتابة؟ ألم تكتشف المجتمعات العربية مدى تأثير التطرف الفكري على كينونتها واستقرارها؟ ألا يشكل تهديداً صريحاً لصرحها الاجتماعي؟ ترجع خطورة التطرف إلى آثاره على الفرد والمجتمع ، فبالنسبة للفرد فإن أفكاره المتطرفة تجعله منبوذًا مكروهًا يُعاني من فجوة تزداد يومًا بعد يوم بينه وبين الآخرين ، وللأسف فهو من صنعها وهو من يجني ثمارها من مشكلات نفسية واختلال في مفهوم الصواب والخطأ لديه. ومن جانب المجتمع ، فإن التطرف يصاحبه خلل في البناء المجتمعي ، حيث تنتشر الأفكار السلبية والمعايير الخاطئة ، وتؤدي إلى وجود نظام اجتماعي لا يتمتع بالاستقرار وبالتالي ففرص البناء ومسايرة الحضارة تصبح معدومة.  في السياق نفسه، تتجلّى مظاهر التطرف في التشدد والغلو في الرأي مع عدم القدرة على إجراء حوار ونقاش متبادل يعتمد على الحجج والبراهين العلمية والفكرية، والعمل على محاسبة الناس دون قبول العكس، سوء الظن في الاخرين ووضعهم في قفص الاتهام والإدانة، وكذلك العزلة عن المجتمع وازدراء الآخر وإطلاق الأحكام عليه وتعنيفه وتجريده من حقوقه وخاصة حقه في الحياة. ويتخذ التطرف مظاهر عديدة أهمها التطرف الفكري الذي يخص الخروج عن الأطر الفكرية والثقافية السائدة في المجتمع، وكذلك التطرف الديني الذي يعتبر أكثر أنواع التطرف انتشاراً من خلال التشدد في السلوك الديني فكراً وعملاً.خلال العقود الأخيرة، أصبح العالم العربي منتِجاً للتطرف بكل أنواعه، خصوصاً الديني. وبعيداً عن مسألة تأويل الدين أو ان هناك بالفعل في داخل الدين أشياء تدفع بعض معتنقيه إلى تبني اتجاهات متشددة يوفرها النص ، الأمر الحتمي اليوم   يستلزم إصلاح الشأن الديني وتجديد الخطاب وضرورة فتح أبواب الاجتهاد والمعرفة الأصيلة والاعتراف بالمنظور التاريخي للتشريع وتطويره ليتلاءم مع مقتضيات العصر وإحياء جهود المجدّدين من المفكرين المتنورين والتوافق مع مواثيق حقوق الإنسان.وعليه فإنّ الحد من ظاهرة التطرف الفكري تتطلّب بالأساس حضور وعي يؤمن بالتفكير الموضوعي وبالحوارالمثمر وبالإختلاف وكذلك الاحترام المتبادل وضرورة التواصل وتبادل الافكار .