الأخبار : نيران أميركية على ماكرون... وأديب على مشارف الاعتذار: المبادرة الفرنسية تترنّح

 
صحف | 2020-09-16
فيما كانت المبادرة الفرنسية تترنّح على وقع التوازنات الداخلية، استهدفتها ‏واشنطن عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو الذي هاجم الرئيس الفرنسي ‏لجهة اجتماعه "بمسؤول كبير في حزب الله". فهل أطلق بومبيو رصاصة ‏الرحمة على المبادرة؟ سؤال ملحّ في ظل ما يتردد عن قرب اعتذار ‏مصطفى اديب عن عدم تأليف الحكومة



بين الضغط الأميركي والتوازنات الداخلية، تترنّح المبادرة الفرنسية في انتظار خرق ما يعدّل مسارها، أو يدفع بها إلى ‏الهاوية. فطريق تأليف الحكومة حتى مساء أمس، كان لا يزال مليئاً بالمطبات، رغم فرملة الرئيس المكلف مصطفى ‏أديب اندفاعته في اتجاه فرض حكومة أمر واقع، وانتظار دورة المشاورات التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال ‏عون مع الكتل البرلمانية لتأليف حكومة "المهمات"، وفقَ خريطة الطريق التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ‏ماكرون‎. 


المعطيات أشارت الى أن العقَد التي تعترض الحكومة لا تزال نفسها، خصوصاً لجهة إصرار أديب على عدم ‏التواصل مع الكتل التي سمّته وأخذت عليه عدم تشاوره معها في ملف التشكيل وإصراره على توزيع الحقائب ‏وفرض الأسماء، وهو ما رأى فيه ثنائي حزب الله وحركة أمل انقلاباً سياسياً. وقد أبلغ أديب رئيس الجمهورية، ‏بوضوح، رفضه التواصل مع الكتل النيابية‎. 


وفي اللقاءين اللذين جمعا عون بكل من رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد والمعاون السياسي لرئيس ‏مجلس النواب، النائب علي حسن خليل، جدّد الطرفان رسالة سابقة برفض "محاولة البعض، وتحديداً رئيس ‏الحكومة السابق سعد الحريري، تشكيل حكومة وحده، أو بالتنسيق مع رؤساء الحكومة السابقين، فهذا أمرٌ ‏خطير"، وأن "حزب الله وحركة أمل لن يقبلا بالتنازل عن وزارة المالية، كما لن يقبلا بتجاوز مكوّن أساسي". ‏وأكد رعد وخليل أن "الأطراف الأخرى حرّة بخيار بالمشاركة أو عدمها، لكننا لم نقبل بإقصاء الطائفة الشيعية ‏من العملية السياسية أو أن يُسمّي أحدٌ الوزراءَ الشيعة من دون التشاور معنا، وأي حكومة من هذا النوع تعني ‏الذهاب إلى مشكل في البلد‎". 


وقالت مصادر قريبة من اديب لـ"الأخبار" إنه "سيعتذر عن عدم قبول التكليف في حال لم يتمّ التوصل الى تفاهم، ‏وأنه ربما يعتذر غداً (اليوم)، لأنه لا يريد اشتباكاً سياسياً مع ثنائي حزب الله وحركة أمل عبر فرض حكومة أمر واقع، ‏ولا مع الرئيس الحريري ورؤساء الحكومات السابقين عبر الرضوخ للثنائي". ورغم أن مصادر سياسية مطلعة على ‏خط التكليف نفت ما تقدّم، مؤكدة أن "الموضوع لم يُطرح لا من قريب ولا من بعيد"، برزت امس معطيات إضافية ‏تشير إلى ان المبادرة الفرنسية تترنّح تحت الشروط والضربات الأميركية من جهة، وسوء إدارة الفرنسيين للمبادرة‎. 


مصادر فرنسية أجرت "جردة حساب" لمبادرات الأسبوعين الماضيين، تقرّ بأن باريس غرقت في الوحل اللبناني. ‏فهي من جهة محاصرة بشرط اميركي يطالب باستبعاد حزب الله عن الحكومة. وهو ما عبّر عنه مساعد وزير ‏الخارجية الأميركية ديفيد شنكر في زيارته الاخيرة لبيروت، حين قال لعدد ممن التقاهم ما فُهم منه ان واشنطن تدعم ‏باريس طالما ان مباردتها ستنتج حكومة من دون الحزب. ومن جهة اخرى، عانت المبادرة الفرنسية من عطب أساسي ‏تمثّل بتعدد الطباخين: السفارة في بيروت، الخارجية، المخابرات الخارجية، والإليزيه. ولكلّ من هذه الدوائر ‏‏"مصادرها" التي تزوّدها بـ"المعلومات" والتقديرات... إضافة إلى لوائح بالمرشحين للتوزير كانت سيرهم الذاتية ‏تُجمع في بيروت وتُرسل إلى العاصمة الفرنسية من اجل التدقيق فيها! وبحسب المصادر الفرنسية، فإن احد الاخطاء ‏المرتكبة كان في استسهال ترك أمر التأليف بيد ثلاثي سعد الحريري وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي. الاول انتهى به ‏الامر "مكتئباً" في منزله؛ والثاني محتجاً على مشاركة كتلة "المستقبل" النيابية، ممثلة بالنائب سمير الجسر، في ‏المشاورات التي دعا إليها عون، لأن هذه الخطوة تُعد اعترافاً "بحق" رئيس الجمهورية بمشاركة رئيس الحكومة في ‏التأليف؛ أما الثالث، فانتهى به الامر غاسلاً يديه من مدير مكتبه السابق، أديب، متهماً الحريري وحده بإدارة مفاوضات ‏التأليف (وهنا، تؤكد المصادر الفرنسية أن عزمي طه ميقاتي، ابن شقيق الرئيس السابق للحكومة، يؤدي دوراً تنسيقياً ‏أساسياً مع الفرنسيين‎). 


خطأ ثانٍ تسجّله المصادر الفرنسية، متقاطعة مع مصادر لبنانية، لجهة التعامل بخفة مع الواقع اللبناني، واعتقاد ان ‏رمي ماكرون بثقله السياسي سيُنجح مبادرته بسهولة. فعلى سبيل المثال، المشكلة اليوم تتعدى مسألة حقيبة المالية إلى ‏بقية الوزراء والحقائب، وصولاً إلى البيان الوزاري. أمام هذا الواقع، لم يعد امام فرنسا وبعض الدول العربية، ومعها ‏الولايات المتحدة، سوى التهويل باضطرابات ستبدأ في لبنان فور إعلان سقوط المبادرة الفرنسية، و"سيجري تحميل ‏الثنائي الشيعي مسؤولية التعطيل‎".‎
‎ 
السلبية المسيطرة محلياً غذّاها الموقف الأميركي الذي عبّر عنه، ابتداءً من يوم أول من امس، وزير الخارجية ‏مايك بومبيو، عندما أطلق "نيراناً مباشرة" على مبادرة ماكرون، منتقداً لقاء الرئيس الفرنسي بمسؤول كبير في ‏حزب الله. وقال بومبيو إن "حزب الله، الوكيل الإيراني، هو الفاعل السياسي المهيمن لما يقرب من ثلاثة عقود، ‏واليوم في بيروت ينتشر الفساد والنظام المالي والسياسي معطل"، مُعرباً عن أسفه لأن "فرنسا ترفض تصنيف ‏حزب الله كله كمنظمة إرهابية، كما فعلت دول أوروبية أخرى، وقيّدت تقدم الإتحاد الأوروبي في هذا الإجراء". ‏وفي مقال كتبه في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، رأى بومبيو أنه "بدلاً من ذلك، تحافظ باريس على وهم بوجود ‏جناح سياسي لحزب الله، رغم سيطرة إرهابي واحد هو حسن نصر الله". وذكر أنه "في 14 آب، فشلت فرنسا، ‏إلى جانب المملكة المتحدة وألمانيا، في دعم قرار الولايات المتحدة بتجديد حظر الأسلحة (على إيران) في مجلس ‏الأمن"، متسائلاً: "كيف يمكن لفرنسا أن تصوت على إلغاء حظر الأسلحة، ثم يلتقي الرئيس ماكرون بمسؤول ‏كبير في حزب الله في بيروت في الأسبوع التالي"؟ وكان بومبيو قد حذر فرنسا من أن جهودها لحل الأزمة في ‏لبنان قد تذهب سدى "إذا لم يتم التعامل على الفور مع مسألة تسلح جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران‎".‎