الحكومة بين عقلانية التشكيل وهستيريا المواجهة

 
مقالات مختارة | المصدر :اللواء - 2020-09-15

سقوط المهلة الفرنسية لتشكيل الحكومة الذي يسيّر به الرئيس المكلّف للمرة الأولى وفقاً للمادة 64 من الدستور «يجري الإستشارات اللازمة لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها» ليست الواقعة الوحيدة غير المعهودة . كذلك الميثاقية التي يتغنى اللبنانيون بالحفاظ عليها لا تُسقطها بدعة «التوقيع الثالث» أول مداميك المثالثة المنشودة، وأحد الأوتاد الأساس في نعش الدستور اللبناني. يرسم الإشتباك حول تشكيل الحكومة المشهدين التاليين:

 

 

الأول في بيروت، تظهر المواقف المتراكمة رغبةً في بلوّرة ميزان قوى جديد  قادر على الإستجابة لتطورات المرحلة. ميزان القوى الجديد عبّر عنه إعلان الرئيس نبيه بري العزوف عن المشاركة في الحكومة، بعد فرض العقوبات على النائب علي حسن خليل الذراع السياسية للرئيس بري، وقبله إعلان مماثل لحزب الله من جهة. ومن جهة أخرى، سلسلة مواقف للوزير السابق جبران باسيل تحاكي المبادرة الفرنسية وتخطب ودّ الأميركيين، عبر مقاربة مسائل الحياد وعودة مقاتلي حزب الله من سوريا وترسيم الحدود البحرية، والإعتراض على «استعراضية إسماعيل هنيّة» في بيروت والتسليم بالمداورة والدولة المدنية، ورفض المثالثة. ومهما كان العمل جارٍ لإضفاء طابع لبناني محلي على ميزان القوى الجديد فإنّ المعادلة الجديدة لا يمكن قراءتها بعيداً عن التراكمات والمستجدات التي تعبّر عنها المواجهة المفتوحة بين طهران والغرب بشكل عام تتقدّمه فرنسا والولايات المتّحدة. 

 

 

العزف على وتر الميثاقية المُدعاة التي لم تحمِِ الدستور، ولم توقف الإنهيار في قطاعات الطاقة والإتصالات والإقتصاد بشكل عام، ولم توقف إستباحة المال العام ولم تمنع حزب الله من إرسال مقاتليه الى سوريا والعراق واليمن، يبدو باهتاً وليس بمستوى الحدث.  ميزان القوى الداخلي المتأهب للمواجهة أو ربما الراغب بالذهاب في المغامرة إلى حدّها الأقصى، المستند إلى تماسك موقف الثنائي الشيعي لا يبدو قادراً على اصطحاب حليفه التيار الوطني الحر وإقناعه بالمواجهة مع الغرب، فالتحالف بينهما قائم على افتراس موقع رئاسة الحكومة وتقاسم المكاسب وتطبيع الطائف وفقاً لذلك. ولكن الذهاب الى أبعد من ذلك وتكريس عقد وطني جديد لا يتجاوز التهديد اللفظي، لا سيما بعد تطوّر مواقف المعارضة الوطنية عقب انفجار مرفأ بيروت، والتي ينخرط فيها أكثرية المسيحيين تدعمهم مواقف البطريركية المارونية الرافضة لأي تعديل للدستور والمطالبة بتحقيق دولي وحياد لبنان.  

 

 

الثاني في بقعة المواجهة بين طهران والغرب، الممتّدة من الخليج العربي الى البحر المتوسط حيث تتزامن متغيّرات كثيرة ويتكوّن ميزان قوى جديد يستعد للمجابهة المرتقبة:

 

 

أ) التحالف الأوروبي الأميركي المستجدّ في شرق المتوسط، الذي عبّر عنه بالأمس  خروج سفينة التنقيب التركية «أوروتش رئيس» من بقعة التنقيب المتنازع عليها إلى مياه قريبة من السواحل الجنوبية للبلاد. الإنسحاب التركي والترحيب اليوناني بالخطوة يأتيان بعد إعلان وزيرة الجيوش الفرنسية «فلورانس بارلي» في 28 من الشهر المنصرم، نشر قوات في شرق المتوسط للمشاركة في تدريبات عسكرية مع إيطاليا واليونان وقبرص على خلفيّة عمليات التنقيب عن الغاز في المنطقة، وتتزامنان مع موافقة فرنسا على تزويد اليونان 18 مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» وطوافات وقطع بحرية وإعلان رئيس الوزراء اليوناني «كيرياكوس ميتسوتاكيس» نيّة بلاده شراء  وتعزيز صفوف الجيش بـ 15 ألف جندي. 

 

 

ب) تسارع وتيرة إتفاقات التطبيع بين كلّ من دولة الإمارات والبحرين وإسرائيل لتبلغ حدود التنسيق والتعاون في مجالات عديدة، كان آخرها الإتفاق بين «معهد وايزمن» و»معهد الدراسات العليا للذكاء الاصطناعي» في دولة الإمارات والتواصل بين الوزارات البحرينية ونظرائها في إسرائيل. التطور الأهم كان في التعاون الإسرائيلي الإماراتي في جزيرة سوقطرة قبالة عدن في المحيط الهندي التي أصبحت قاعدة أمنية ستلعب دوراً في التحكّم بحركة الملاحة في المحيط الهندي.

 

 

ج) إستمرار الضربات المجهولة الهوية على مواقع الحرس الثوري في سوريا وكان آخرها بالأمس، وسط صمت روسي.  يترافق ذلك مع توقيفات لعناصر تابعة للحرس الثوري في كينيا بتهمة تفجير السفارة الأميركية في ليبيا، وإعلان موقع «بوليتيكو» الأميركي أمس أنّ سفارة إيران ضالعة في التخطيط لاغتيال سفيرة الولايات المتّحدة في جنوب أفريقيا «لانا ماركس». 

 

 

د) إجتماع الهيئة الدولية للطاقة الذريّة المنعقد في برلين وتوجيه إتهامات لإيران بالإحتفاظ بمخزون من اليورانيوم المخصّب يفوق عشرة أضعاف الكمية المسموح بها وتشغيل أكثر من ألف جهاز طرد مركزي خلافاً للإتّفاق المعقود في العام 2015. 

 

 

مع انقضاء المهلة الفرنسية وصل إلى بيروت  مدير وكالة الإستخبارات الخارجية الفرنسية لإنقاذ المبادرة، أو لوضع رئيس الجمهورية ميشال عون - المتماهي مع ميزان القوى الداخلي- في معالم المرحلة المقبلة. تعبّر «فوضى الحواس» التي يبديها السياسيون المصرّون على إنتاج حكومة على شاكلة سابقاتها عن أحد المسارين:

 

 

 الأول عقلاني يقتضي التفاوض المباشر مع الوسيط الفرنسي للتخفيف من وطأة التغييرات التي رافقت كلّ مراحل التسميّة والتشكيل والمداورة التي تبدو كلها صعبة المضغ على فرقاء اعتادوا القفز فوق الطائف مع كلّ إشراقة شمس، والتفاهم حول حدود العقوبات التي كانت بشائرها أكثر من كارثية. 

 

 

والثاني هستيري ويقضي باتّخاذ حزب الله ومن يتبقّى من حلفائه قرار الذهاب الى أبعد حدود المواجهة، من العقوبات حتى المواجهة العسكرية،عن طريق قلب الطاولة بوجه الغرب بوضع اليد على الداخل وبالتالي تغيير قواعد التفاوض مع الخارج. 

 

 

في كلا الخيارين يُسقط المغامرون من حساباتهم مسألتين، الأولى هي توّهم القدرة على إطلاق المواجهة مع الغرب من الساحة اللبنانية والحؤول دون تمدّدها الى ساحات أخرى، والثانية الجهل وربما التجاهل بأنّ الشرائح اللبنانية كافة خرجت من عقدة الخوف وأصبحت عصيّة على التدجين، وأنّ إخضاع الزعامات لم يعد سبيلاً ممكناً لإخضاع الجمهور الذي تقدّم له المعطيات الإقليمية والدولية خيارات أخرى.