اشكالية فلسفة التاريخ

 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2020-09-08
يُعتبر موضوع كتابة التاريخ من المواضيع الإشكالية التي لم يتوقف البحث فيها والتنظير حولها ، لذلك نجد أن الكثير من الفلاسفة والمفكرين والشعراء القدامى والمعاصرين أولوا اهتماما ً كبيرا ً لموضوع التاريخ .

 ومن المعروف أن فولتير(1694م-1778) هو أول من استخدم عبارة "فلسفة التاريخ " التي تشير الى منظورين أساسيين ، اولاً: دراسة مناهج البحث وهي تعني الطرق التي يكُتب بها التاريخ وكيفية التحقق من صحة الوقائع التاريخية والكشف عن مدى صدق الوقائع ومناقشة فكرة الموضوعية في التاريخ ، وثانياً: النشاط التركيبي وفيه يقدم المؤرخ أو الفيلسوف وجهة نظره عن مسار التاريخ ككل.

 و عبارة فلسفة التاريخ تتضمن دلالات أساسية معينة حيث إنها تنطبق بشكل مبدئي على كل كتابة فلسفية تأخذ بعين الاعتبار السمة التاريخية كصيغة أساسية من صيغ الوجود الانساني والتي تقتضي التفسير والتأويل ، وهو ما يتضمن مواقف متضاربة من كتابة التاريخ وتختلف باختلاف المؤرخ. ومن ناحية اخرى فإنها تشمل مدونة البحوث الصادرة عن المؤرخين والفلاسفة الذين أرادوا منذ زمن أن يقيموا المكانة التي تحتلها السمة التاريخية في نظام المعارف، مع المقارنة بما تقدمه العلوم الدقيقة، وذلك بتحديد موضوعاتها ومناهجها ونمط الحقيقة الذي يمكن ان تبلغه.

وتنقسم فلسفة السرديات التي تتناول فلسفة التاريخ الى ثلاثة أنواع:

الاول وهو الأقرب لمفهوم الفلسفة التقليدية ويرمي الى الكشف عن منطق ٍ باطني يوحد أغراض الحوادث ويوجهها نحو تحقيق غاية مرسومة وهدف معين ، وأذكر من بين أعلامه أوغسطين وهيغل وكانط.

الثاني وهو الذي يعكف على المقارنة بين الوقائع، مميزا المهم منها عن التافه، بالنظر الى مفهوم محوري يمثل قيمة مجردة ، مثل الدولة أو الحضارة أو الحرية والعدالة ، ومن ابرز اعلامه ماكيافيللي وفولتير.

الثالث حيث يعتمد على الاستقراء ولا يكاد يختلف عن التاريخ المقارن وهو يبحث عن الظواهر المتواترة والدورية في الدول المختلفة وفي أحوال الشعوب والأقوام ومن أعلامه ارنولد توينبي وألفرد فيبر.

يقودنا هذا التقسيم الى مفهوم أن التاريخ هو صناعة وليس مجموع لأحداث الماضي  فهو تاريخ البشر للبشر وذلك يعني ارتباط كتابة التاريخ بالوعي ، ومعنى ذلك وعي المؤرخ وايديولوجيته الفكرية التي توجهه لحظة كتابته للأحداث ، فهناك الكثير من الأمور التي تحدث في الحياة دون أن يتم الإلتفات لها أو تدوينها فضلا ً عن جعلها حدثا تاريخيا فاصلا ، ذلك أن علم التاريخ بدأ في صورة مدونات حيث جاءت السرديات التاريخية عقب الملاحم ، فنسجت على منوالها الكتابات التي تتناول أخبار الآلهة والعمالقة وتذكر أخبار الملوك وبطولاتهم.

في الواقع لا ينفصل وعي المؤرخ عن كتابته للتاريخ عندما يكون معاصرا ً للأحداث التي يكتبها عن التاريخ الأصلي وهو ينطبق على تلك الفئة من المؤرخين الذين اهتموا بصفة خاصة بوصف الأعمال والأحداث وأحوال المجتمع التي وجدوها ماثلة أمام أعينهم والذين شاركوا فيها ، فهم ببساطة قد نقلوا ما حدث في العالم من حولهم ومن هذا المنظورتكون المؤثرات التي شكلت الكاتب هي نفسها المؤثرات التي شكلت الأحداث التي تكون مادة روايته ونظرة الكاتب هي نفسها روح الأحداث التي يرويها ، فهو في هذه الحالة يصف أحداث شارك بنفسه فيها، أو كان على الأقل شاهدا عليها ، في حين أن التاريخ النظري وهو ما يطلق عليه  التاريخ البرغماتي اوالعملي وذلك عندما يكون علينا أن ندرس الماضي وأن نشغل أنفسنا بعالم ٍ بعيد عنا يعتمد على التأملات النظرية التي تُعنى باستخلاص التعاليم الأخلاقية من التاريخ لذلك نجد أن المؤرخ النظري يبالغ في ذكر الوقائع التاريخية لأنه يسقط روح عصره المعاش على العصور الغابرة. فإذا كان التاريخ الحقيقي للإنسان لم يبدأ الا مع ظهور الوعي وبالتالي فإن المجتمعات الأولى التي كانت تعتمد على الأساطير لم تكن جزءا ً من تاريخ الإنسان ، فهو في هذه الحالة يكون عاجزا ً عن التعرف على ذاته إذ لا بد أن ينفصل عنها بحيث يصبح واعيا ً لما يدور حوله وبحسب هيغل فان تاريخ العالم هومسار تناضل فيه النفس البشرية لكي تصل الى الوعي الأمثل ومن هنا نجد ان ذلك ليس إلا تقدّم الوعي  المقترن بالحرية ، وهذا لا ينفصل عن مفهوم الاستقلال ، فأنت حر بمقدار ما تكون مستقلا ً ، لا تعتمد في حياتك على شيء آخر خارج ذاتك ، فالنفس لكي تكون حرة عليها ان لا تعتمد على الغير بمعنى أنها لا بد أن تكون الذات والموضوع في آن واحد وذلك بحسب الفلسفة الهيغلية.

وبالرغم من اتساعها وعمقها وتأثيرها الكبير فإن الفلسفة الهيغلية ترتكز على أن المعقول هو الواقع  والواقع هو المعقول ، بمعنى أن كل واقع تحقق بالفعل هو نتيجة لعمل او فعل معين ، فالعقل يحمل في جوفه القوة المتحولة الى الفعل ، وهو ليس شيء مجردا ً ولا هو ملكة بشرية ولكنه قوة خلاقة مبدعة .

وصفت هذه الرؤية الهيغيلية بأنها مثالية ، الأمر الذي أدى الى تشعبها الى عدة اتجاهات  شأنها في ذلك شأن الكثير من الفلسفات العميقة التي تقبل صراع التأويلات  بين مقلد لها ، ومعارض لها بصورة نهائية ، وهو ما أدى الى ظهور الكثير من الفلاسفة اليمينيين واليساريين مثل كارل ماركس وفريديريك إنغلز وغيرهم.

من المهم أن نلقي الضوء هنا على الجدلية التاريخية في "مقدمة رأس المال" وهو كتاب الماركسية الذي أحدث بلبلة في مسار التاريخ والفلسفة في آن واحد حيث أن نظرة ماركس الى تطور المجتمع ترتكز على "المادة"، وهذا هو منهجه في تحليل التغيّر الإجتماعي ، فالمادية الماركسية تقلب رأسا ً على عقب المنهج الهيغلي المثالي الذي يأخذ بالأفكار بعيدا عن النشاط الفعلي الذي يبذله الأفراد وقد رأى ماركس أن فهم العالم يتطلب في البدء معرفة أنشطة الناس وأهمها العمل ، ذلك أن الطبقة الأجتماعية هي محصلة حياة الأفراد التي يشكلها سوق العمل، وعليه فإن المادة هي أساس الفهم الماركسي للطبقة الإجتماعية وهذا ما يناقض الفلسفة الهيغلية.

مرت فلسفة التاريخ بالكثير من المحطات المهمة التي لم أت على ذكرها بالتفصيل ومنها الفلسفة الفرويدية في فهم تصرفات الإنسان التي أرجعها فرويد الى اللاوعي والأنا ، كما لا يمكننا تجاوز النقاشات الكثيرة والمعمّقة التي أثارها الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي بول ريكور والذي تناول علاقة التاريخ بالسرد والذاكرة والأرشيف، مع تأويل المؤرخ وترجمته الفردية للأحداث وفي النهاية نجد بأن كل تلك المساهمات هي روافد في فهم السلوكيات البشرية بطرق مختلفة طبقا ً للأدوات المتوافرة في كل عصر