موسى الصدر الحاضر الغائب !

 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2020-09-01
ان لم نتمكن من تحييد لبنان فلن نحرّر شبرا من فلسطين وسنخسر وطننا ونتحول الى لاجئين

رغم مرور ٤٢ عاماً على استمرار تغييّب الإمام السيد موسى الصدر و الشيخ محمد يعقوب و الأستاذ عباس بدر الدين لا بدّ من الاعتراف بأمور عدّة ,شهادة ووفاء لمسيرته النضالية والوطنية , وأهمها حقيقة إختفاءه فهم غيّبوا جسدا غير مدركين أنّهم بهذا الفعل جعلوه حاضرا كسّيد للمقاومة الحقيقية التي تتلألأ كوسام على صدر لبنان والجوار مع مرور هذه السنين السوداء الداكنة على غيابه .

ما احوجنا اليوم وفي هذه المرحلة الحساسة إلى فكر الإمام الصدر الجامع الرافض للأوصوليات بكل ّ أشكالها , والداعي للإنفتاح والمحبة , ووحدة الأديان من منظار إيماني واسع .

قد يظنّ المستكبرون أنّهم اختطفوه وقضوا على مشروعه ,ولكنّ أفكاره بقيت نبراسا تنير في ليل هذه الأمّة الظلماء.

أجيال نشأت وتربت على تعاليم ونهج الصدرالصالحة لكل زمان ومكان حتى أصبحت أقواله مصباحا لكثر في زمن كثرت فيه الطوائف وقلّت فيه الدين والمحبة.

لغز محبة واحترام كل الطوائف للصدر

ببساطة لأنّه تلميذ نجيب فاق أقرانه، ‏متمتعاً بأسلوب شيّق جذاب، ما أهّله لينتـزع إعجاب ‏طلبته وأساتذته معا. عمامته كانت أول عمامة ‏تدخل حرم كلية الحقوق وما أروعها عقلا مستنيرا, معه تتعلّم قبول الآخر كما هو ,متصفة بإقران القول بالفعل ,النزاهة الشخصية , والاعتدال والحوار مع الأخ والشريك والجارعدا الشرّ المطلق إسرائيل .

مسيرة الصدر ومصيره

عاد في العام 1960م إلى أرض أجداده صور ليقيم فيها ويمارس وظائفه كعالم دين خلفاً ‏للعلامة شرف الدين. ومن ذلك العام ابتدأ العمل الديني والسياسي والاجتماعي في لبنان ‏ .

أقام دورات لمحو الأمية كما ساهم بتأسيس “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى”، الذي هدف إلى تنظيم أوضاع الطائفة ‏الإسلامية الشيعية، لرفع الغبن اللاحق بها. انتخب رئيساً لهذا المجلس، وجّه دعوات لتوحيد الشعائر الدينية بين ‏المذاهب الإسلامية ودعا للوحدة الوطنية،

دعا للعدالة والمساواة بين طوائف لبنان ومناطقه .

طالب بتأسيس مجلس للجنوب لرفع الحرمان عنه ولمواجهة العدوان الصهيوني ‏المتواصل عليه.‏ ولاحقا بدأ العمل الميداني وأسّس “حركة ‏المحرومين” تحت شعار "الايمان الحقيقي بالله والانسان وبقدسيّة حريّته ". رافضا الاستبداد والإقطاع ‏,محاربا الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي كان يتعرّض لها لبنان.

كان في قلب وفكرالصدر التعايش الإسلامي المسيحي ، وبه تخطى الإمام التمييز بين المؤمنين إلى أي دين انتموا بقوله: "المؤمن المسلم أخو المؤمن المسيحي".

شارك في الحوار الإسلامي المسيحي حتى أنه ألقى في إحدى المرات خطبة في عيد الفصح في إحدى الكنائس الرئيسة في لبنان .

رأى أن بيئة لبنان الاجتماعية والثقافية لا تتقبّل غربته وانفصاله عن المنطقة، كما لا تتقبل اندماجه كلياً في المحيط الإسلامي الواسع.

حمل خطابه تجاه الأقليات مسلكاً رؤيوياً إذ كان على يقين أن العدو الإسرائيلي عمل وسيعمل على تقوية الكيانات الطائفية لتعزيز وجوده بتقسيم المنطقة على أسس مذهبية.

كان الإمام دائم الحرص على بناء الجسور وعبورها ، بعكس كثر ممن يبنون جسوراً ليعبر عليها غيرهم ، وهذا ما يفسر تعلق أبناء الطوائف كافة بالإمام الصدر .

حرص على تبيان الفرق بين الطائفية والتديّن ، هذا الإصرار على التشبث بالتعايش بين اللبنانيين والتأكيد على مسألة الحرية في لبنان كشرط أساسي لبقاء صيغة التعايش.

شارك في مراسم تتويج قداسة البابا بولس السادس بناء على دعوة رسمية وكان رجل الدين المسلم الوحيد الذي دُعي لهذه المناسبة. وساهمت لقاءاته في الفاتيكان وعرضه لمعاناة الشعب الإيراني وعلماء الدين في ظل حكم الشاه في إطلاق سراح الإمام الخميني من سجنه. الا ان العلاقة فيما بين الصدر والخميني تعتريها الضبابية وسبب الصدع أنّ الخميني كان يخطط لبناء دولة الفقيه ولعب دور الولي الفقيه , مقابل الصدرالذي كان يحاول منع الشيعة من الدخول في اي اقتتال داخلي.

ظهر في الاوساط الشيعية كقائد ورجل دين ثوري، إستحكم على قاعدة شعبية كبيرة من الشيعة، واستقطب عدد كبير من مثقفيهم، حتى من الساحة الإيرانية التي سبقت الاطاحة بالشاه ، فكان لموسى الصدر مواقفاً أيجابية مع المناهضين لسياسة الشاه خاصة الاحزاب الليبرالية التي حسب على تيارها.

كان الصدر محسوباً على حركة تحرير إيران (نهضت آزاري إيران) التي أسسها مهدي بزركان، والتي أيدت حصول أصلاحات سياسية مثل أقامة ملكية دستورية وهو مشروع طرحه المرجع كاظم شريعتمداري وأيده موسى الصدر، ورفضه التيار الاسلامي بشدة وأثار حفيظة الخميني ضد موسى الصدر وشريعتمداري، مما أدى إلى شن حملة أعلامية كبيرة خاصة ضد الصدر الذي أعتبر خطراً يهدد مشروع الخميني للأسباب التالية:

  • العلاقات التي تربط الصدر بالتيار الليبرالي الذي خشى الخميني وجماعته نفوذهم بعد الاطاحة بالشاه على حساب تهميش التيار الاسلامي المتمثل برجال الدين.

  • أتخاذ الصدر جانب المرجع شريعتمداري ودعم مشروعه في تأسيس ملكية دستورية، يعد رفضاً من قبل الصدر لمشروع نظام ولاية الفقيه الذي عزم الخميني على أقامته في إيران، ليمنح نفسه سلطة دينية وسياسية لن يحصل عليهما في نظام الملكية الدستورية.

  • الموقع المفترض لموسى الصدر في إيران بعد الاطاحة بالشاه، خاصة وأن حركة تحرير أيران (نهضت آزاري إيران) التي يترأسها مهدي بزركان، كانت تعمل تحت عمامة موسى الصدر..

  • التوجه العربي الذي يلعب الصدر على أوتاره يختلف جذريا مع الأجندة الشعوبية التي يحملها الخميني..

  • تمتع موسى الصدر بشعبية واسعة في الأوساط الشيعية واستقطابه قاعدة كبيرة من مثقفي الشيعة المستقلين ستجعل منه منافساً قوياً للخميني على الساحة الشيعية ومن هنا كان الاختلاف بين أمل وحزب الله بالمنهج، ولتلك الأسباب تم تأسيس حزب الله بداية بخرق أمل عبر شخصيات شيعية، وتالياً شقها لتأسيس الحزب الذي أعلن ولائه المطلق للخميني، وتشكيل مرحلة القضاء على ما تبقى من فكر الإمام الصدر وفعالية المؤسسات التي أطلقها بما فيها حركة المحرومين أمل..

  • وجود الصدر بثقله الشيعي على الساحة سيؤثر على نفوذ الخميني في بعض المناطق مثل لبنان، خاصة وأن الخميني يسعى لأن يكون القائد الثوري الأوحد والمرجع الديني والسياسي العام للشيعة في العالم وصمام الامان في الجنوب اللبناني..

  • النفوذ القوي للكيانات والتنظيمات التي أسسها موسى الصدر، مما يجعل تأسيس اي مشروع حركة أو حزب او مقاومة جديدة تدعمه إيران مصيره الفشل، ومن هنا كان الصراع الشيعي الشيعي أمل حزب الله في الإقليم والضاحية لإنهاء ما تبقى من مشروع الإمام الصدر.

بالإضافة , كانت فلسطين في ضمير الصدر وأخذت حيّز أساسي من تفكيره. أقام الصدر اوثق العلاقات مع قادة المقاومة الفلسطينية خاصة حركة فتح، وكان حامياً وناصحاً قائلاً «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»، رافضاً انزلاقها في مستنقع الأزمة اللبنانية، وأن تستغل من أي طرف لبناني، معتبراً ان القبلة يجب ان تكون وتبقى فلسطين بقوله «إن العودة الى فلسطين هي صلاتنا وإيماننا ودعاؤنا نتحمل في سبيلها ما نتحمل ونتقرب الى الله في سبيلها بما نتحمله من متاعب».

فاعتبر ان قضية فلسطين، مع التسليم بأن شعبها هو رأس الحربة في مسيرة تحريرها ومقاومة إسرائيل، هي قضية كل فرد وانسان عربي ومسلم وحر. وعليه تقع مسؤولية ليس دعم المقاومة الفلسطينية فحسب، بل الانخراط الكامل بالمقاومة والالتزام بها.

عمل الامام على المستوى النظري والفكري على جعل هذه القضية في متن ميثاق حركة المحرومين (امل)، وهو الميثاق الذي يشكل الاساس الفكري للانتماء التنظيمي كما جاء في البند السادس : وفلسطين الارض المقدسة التي تعرضت ولم تزل لجميع انواع الظلم هي في صلب حركتنا وعقلها، وأن السعي لتحريرها اولى واجباتنا، وأن الوقوف الى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، لا سيما ان الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها، وعلى الانسانية جمعاء، وأنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها.

كان نقاشا محتدما

قبل مغادرة الصدر لبيروت باتجاه العاصمة الليبية طرابلس الغرب , حكي عن اجتماع بين الصدر وأعضاء المكتب السياسي في حركة أمل ، تبين فيه أن الفريق المعارض للزيارة تمسك برأيه حتى النهاية في مواجهة فريق مؤيد لها يقوده محمد يعقوب، وهو رجل دين اختفى مع الصدر في رحلته الأخيرة إلى ليبيا ومعهما الصحفي عباس بدرالدين..

قيل ان سبب زيارة الإمام بناء لاقتراح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، اقناع معمر القذافي بوقف تسعيره للحرب الأهلية في لبنان،والاقلاع عن خطة ترحيل مسيحييه، وعدم تحويل جنوب لبنان إلى أرض محروقة..

قبل يوم فقط من هذه المشادة التي انتهت بتغليب رأي يعقوب على آخرين نشر الصدر مقالته الداعمة للثورة الإيرانية في صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان "نداء الأنبياء".

كانت هذه المقالة آخر شيء سمعه العالم من الصدر الذي تحول إلى لغز كبير لم يستطع أحد بعد حله.

شوهد الصدرعلنا خلال الزيارة بعد انتظار لستة أيام، تم تحديد موعد للإمام ورفيقيه يوم الخميس ٣١ آب ١٩٧٨ الساعة الواحدة والنصف ظهرا، وقد غادروا فندق "الشاطىء الكبير" في طرابلس الغرب قبل ربع ساعة من ذلك، بسيارات المراسم الرئاسية الليبية، وشهد بذلك عدة شخصيات لبنانية وعربية تواجدت في ذات الفندق.



الصدر وبهشتي والقذافي

كان للصدرأعداء كثيرين، وبعضهم ليسوا مباشرين إنما أعداء بالواسطة، لذا فلائحة المستفيدين من غيابه أو تغييبه طويلة لدرجة تجعل الكثيرين متواطئين محتملين مع الزعيم الليبي معمر القذافي، المتهم الأول بإخفاء الصدر. لماذا لأنه فضح بسلوكه القويم زيف "تجاراتهم" بالناس والفقراء والحقوق والولاء الوطني للبنان ونصرة الجنوب المحتل .

إبحثوا عمَّن كتب عام ٢٠١٥ بكل وقاحة: "نحن نأخذ على موسى الصدر أنه لم يشارك في الحرب الأهلية وكان نجماً عابراً للطوائف.

كل ذلك ‏أكسبه مكانة مرموقة، شعر معها المتربصون بالمنطقة بالخطر على مصالحهم، فتقاطعت مصالح دولية مع مصالح اقليمية مؤكدة خوفها منه ومن مشروعه وضرورة التخلص منه، ‏فتحوّل إلى هدف لأجهزة الاستكبار.

هناك من كان يتمنى غياب موسى الصدر، وغياب قضيته، وغياب اسمه، وغياب صورته، وغياب مبادئه، وغياب كل لغته "الإنسانية"...لسبب بسيط : التناقض معهم...مع ممولهم معمر كما أقرَّ رسمياً مجلس الشيوخ الإيطالي .

روايات مصير الصدر ورفيقيه

آخرها رواية الكاتب الأميركي كاي بيرد في كتابه "الجاسوس النبيل" والتي كررها أندرو سكوت كوبر في كتاب "سقوط الجنة" عن الأسرة البهلوية، ومما جاء فيها أن المسؤول عن قرار تصفية الصدر كان رجل الدين الإيراني محمد حسيني بهشتي الذي أوعز للقذافي بالقيام بذلك..

وبحسب الرواية فإن القذافي دعا الصدر وبهشتي معا إلى لقاء تحت رعايته في ليبيا لحل الخلافات بينهما في شأن قيام دولة دينية في إيران (ولاية الفقيه). وقد استنكف بهشتي عن القدوم إلى ليبيا، وطلب إلى القذافي احتجاز الصدر لديه، لأنه عميل للغرب.‬

الرواية التي ينقلها بيرد عن عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية، روبرت إيمز، والتي نقلها بدوره عن قناة اتصاله بحركة فتح الفلسطينية علي حسن سلامة، تنتهي بمحاولة ياسر عرفات التوسط لإطلاق سراح الصدر. لكن القذافي يتصل ببهشتي عارضاً عليه الأمر، فيصر الأخير على أن الصدر يشكل خطراً مباشراً، لا على الثورة في إيران فحسب، بل على حياة مؤسس الثورة آية الله الخميني أيضاً .

لكن رسالة تضعف الرواية, فكل من بهشتي والصدر كان ينظر إلى الزعيم الليبي كخصم، لا سيما وأنه كان يدعم اليسار اللبناني الذي كان في تلك المرحلة مناوئا لنشاطات الصدر.

بالعودة إلى الرسالة المؤرخة في عام ١٩٧٧، يشكو فيها الصدر لبهشتي من أخطار "الشيوعيين والجنبلاطيين وأعوانهم من العرب الليبيين والعراقيين الذين يضعون المقاومة في معرض أخطار عالمية كبيرة.".

الرسالة واحدة من عشرات بين الرجلين، ويقول نجل الصدر، صدر الدين الصدر، إن والده وبهشتي كانا روحا واحدة والأكثر عجباً طرح اسم القذافي كمصلح بينهما مع معرفة موقفهما منه، مضيفا "كل الشواهد أثبتت أن الإمام الصدر وأخويه كانوا لدى القذافي، ومن بعده بيد فلوله ولا شيء في كل هذه الفترات يثبت أن سوءا وقع لهم، بل العكس، حتى الروايات المتشائمة، مثل رواية مسؤولية أبو نضال، تؤكد نظريتنا أنهم على قيد الحياة".

رواية أبو نضال؟

نسب إلى وزير الداخلية الليبي المنشق عبد الفتاح يونس، الذي كان قائداً عسكرياً للثوار قول أن الصدر ورفيقيه قتلا بعد وصولهما إلى ليبيا بأيام على يد صبري البنا، المشهور بأبي نضال، وهو مؤسس وقائد "حركة فتح المجلس الثوري"، وأضاف حينها يونس أن أبو نضال دفن الثلاثة في حديقة منزله في طرابلس، ثم قال "إن أردت المزيد من المعلومات حول هذا الأمر عليك بالتواصل مع موسى كوسا، فهو يعرف تفاصيل ما جرى في ذلك الوقت".

تقاطعت رواية يونس مع رواية كانت تتردد في لبنان سابقاً من خلال بعض الصحفيين المقربين من ليبيا حول ذات الأمر. لكن مراجعة تاريخ علاقات المجلس الثوري وتقاطعاته العربية تظهر أن أبو نضال وإن كان على علاقة سطحية بالقذافي حينها، لكنه لم يكن قريباً إلى درجة أن ينفذ عمليات في ليبيا بحرية تامة، لا سيما أنه كان مقيما في بغداد وتحت رعاية الرئيس العراقي آنذاك، أحمد حسن البكر. لكن معاوناً سابقاً لأبي نضال وهو عاطف أبي بكر ذكر في دردشة أن المجلس الثوري "نال الحظوة عند القذافي على مرحلتين الأولى بين ١٩٧٧ و ١٩٧٨، والثانية وهي الأهم لأنها انطوت على دعم كبير وكانت بين ١٩٨٤ و ١٩٩٣. وفي تلك المرحلة كان المجلس أداة القذافي ومخابراته وكانت جماعته قد غادرت العراق نهائيا أخر عام ١٩٨٣".

رواية مسؤولية أبو نضال بدت وكأنها الرواية غير الرسمية لنظام القذافي. وكان سيف الإسلام القذافي أول من لمّح إليها في لقاء تلفزيوني في تشرين أول/ أكتوبر من عام ٢٠٠٢ مع تلفزيون المستقبل اللبناني حين قال إنه لا يستبعد تورط مجموعات غير ليبية في الجريمة. ويضيف أن "أبو نضال كان واحداً من هذه المجموعات، لأنه عاش مدة في ليبيا حيث عثرنا في بيت كان يقيم فيه على بقايا جثث لأشخاص قام بتصفيتهم ودفنهم، وبعضهم من المقرّبين منه، كما كان هناك أشخاص آخرون قتلهم على ما يبدو".

ثم تكررت الرواية على لسان أكثر من مسؤول ليبي وآخرهم عبد الله السنوسي، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الليبية في عهد القذافي، الذي قال خلال التحقيق بحسب ما نقلت صحيفة الرأي الكويتية أن القذافي سلّم الصدر لأبي نضال الذي تولى إعدامه فورا..

رواية السجن

لا تتوافق رواية القتل الفوري مع ما يقوله القاضي اللبناني حسن الشامي، الذي يرأس لجنة بلاده لمتابعة قضية اختطاف الصدر ورفيقيه. الذي نشر قبل فترة على صفحته على فيسبوك صورة يقول إنها لإحدى الزنازين التي مرّ فيها الصدر، أنه وبحسب المقابلات التي أجراها في ليبيا مع عشرات الأشخاص خلال السنوات الماضية وصل إلى شبه يقين أن الصدر مرّ في ثلاثة سجون في ليبيا حتى أواخر التسعينات. ويقول إن كل الروايات التي تتحدث عن سيناريو القتل ليست متكاملة، "الرواية الكاملة تعني تفاصيل مثبتة، أدلة وتواريخ وقرائن وتسلسل وأسماء، وهذا ما لم يتوفر في كل ما تم تداوله.".

أما هانيبال القذافي، ابن الزعيم الليبي الراحل الذي استشهد به الشامي، فهو موقوف في لبنان منذ عام ٢٠١٥ بعدما قامت مجموعة باختطافه بعد استدراجه من سوريا التي كان لاجئاً فيها. حينها وجهت التهمة بالمسؤولية عن العملية للنائب السابق في البرلمان اللبناني حسن يعقوب، نجل الشيخ محمد يعقوب الذي اختفى مع الصدر

والّذي برأ والده من الاختطاف ملقيا بالمسؤولية على عبد السلام جلود، الشخصية الثانية في نظام القذافي..

كما علينا أن نستعيد تصريحات جلال الدين الفارسي التي جاءت مفاجئة جدا ومثيرة للتساؤلات حيث إنها تتجه نحو التأكيد على مقتل الإمام الصدر وهوية القاتل ثم الدفاع عن القاتل وتبرير الجريمة التي ارتكبها عبر تكفير الإمام الصدر..

ومنذ عقود يرى الكثيرون في إيران بأن فارسي هو جزء من الصندوق الأسود في قضية إختطاف الإمام الصدر. وكان نقل عن عبد السلام جلود رئيس وزراء القذافي قوله: "إسألوا جلال الدين فارسي اذا أنتم تبحثون عن مصير الصدر."..

لم يكن أحد يجرؤ ان يتهم فارسي بالارتباط مع القذافي بقضية الصدر إلا أنه هو كشف القناع عن وجهه أخيرا عبر التعبير عن موقفه تجاه الإمام الصدر وتأكيده على أن القذافي أدى واجبه الشرعي بقتل الإمام.

ويبدو أن تصريحات جلال الدين الفارسي هي الأهم منذ اختطاف الصدر في العام 1978 وكان المتوقع أن تتحول إلى محور لجدال عميق في إيران ولبنان من شأنه أن يكشف عن رؤوس الخيوط فيما يتعلق بقضية الإمام الصدر.

الصدر غادرمن ليبيا إلى إيطاليا

هذه مسرحية فبركها النظام الليبي وأثبت القضاء الإيطالي بحكم مبرم عدم صحتها، وأن من صعدوا إلى الطائرة هم ضباط مخابرات ليبيون معروفون ب الأسماء .

هل قتل الصدر؟

موسى الصدر عجوز طاعن في السن، ليس هناك ما يُثبت أنه فارق الحياة (سجناء سابقين لدى معمر القذافي تم تحريرهم عام ٢٠١١ وهم أكبر سنا من الإمام )، هكذا تقول عائلته. لذلك فأبناؤه وبناته يتمسكون بالأمل في أنه في مكان ما على قيد الحياة. المكان هذا برأي عائلة الصدر كان يعرفه العقيد معمر القذافي والدائرة المقربة منه، إلا أن العقيد قتل والدائرة المحيطة مبعثرة.

مع ذلك ورغم التعقيدات التي تحيط بالقضية من أكثر من جانب، إلا أن خيوطها إن جمعت يمكن أن تساعد على الأقل في كتابة رواية أقرب إلى الدقة. وهذا ما قد يكون مفيداً لمعرفة جزء من حقيقة لغز هو الأكثر غموضاً في التاريخ السياسي الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، والذي كانت له تداعيات حولت مسارات دول كإيران والعراق ولبنان وبلا أدنى شك ليبيا، التي تستمر بدفع ثمن اختفاء موسى الصدر ورفيقيه على أراضيها.

كما ان إيران، أعلنت السبت التاسع والعشرون من آب 2020، أنها ما زالت تتابع ملف مصير موسى الصدر ورفيقيه، مؤكدة أنه من أهم القضايا بالنسبة لها.



ويبقى السؤال الأهم وهو ما كان الدور الذي سيلعبه الامام الصدر في لبنان والمنطقة بأكملها التي تغلي راسمة أنظمتها الجديدة غير آبهة أو مراعية لمطالب شعوبها وثوراته ؟