فعالية الأجهزة الرقابية في لبنان بين النظرية والواقع
 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2020-07-25
نصت المادة 87 من الدستور اللبناني على "أن حسابات الادارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة. وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبات." وقد أنشيء ديوان المحاسبة ونص قانون تنظيمه على أن يتولى مهمة الرقابة على الحسابات بصفته محكمة إدارية تتولى القضاء المالي، وذلك انطلاقاً من واجب السهر على الأموال العمومية والأموال المودعة في الخزينة.

لديوان المحاسبة وظيفتان: ادارية، يمارسها برقابته المسبقة على تنفيذ الموازنة العامة. وقضائية يمارسها برقابته على الحسابات وعلى من يتولى استعمال أو ادارة الأموال العمومية. 

رقابة ديوان المحاسبة الإدارية المسبقة، غايتها التثبت من صحة المعاملة وانطباقها على الموازنة وأحكام القوانين والانظمة. وتخضع لها  صفقات اللوازم والاشغال وصفقات الخدمات، والاتفاقات الرضائية، .....

أما مهمة ديوان المحاسبة في مجال الرقابة على حسابات الأموال العمومية، فهي لاحقة وتتمثل بمراقبة استعمال هذه الأموال، ومدى انطباق هذا الاستعمال على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وبالفصل في صحة وقانونية معاملاتها وحساباتها. 

الغاية من رقابة ديوان المحاسبة على الحسابات هي البت بصحة حساب المحتسب وإبراء ذمته؛ ووضع الملاحظات على قطع حساب الموازنة وتحديد نتيجته الصحيحة، وإصدار بيانات المطابقة وإبلاغ مجلس النواب بها تمهيداً للتصديق على قطع الحساب بموجب قانون يصدر عنه. 

يترتب عن تنفيذ الموازنة وعمليات الخزينة من خارج الموازنة إعداد حسابات وبيانات ختامية تلخص نتائج العمليات وحركة الحسابات الممسوكة لدى المحتسب، خلال السنة المنقضية، وهي: 

حساب المهمة، ويشمل  كافة عمليات القبض والدفع  التي يكون نفذها المحتسب، وتوفر إمكانية التحقق من سلامة وقانونية هذه العمليات. 

قطع الحساب، وتعده مصلحة المحاسبة العامة من واقع بيانات الواردات والنفقات التي ترد إليها، وبعد أن تستخرج من حسابات المهمة ومستنداتها المعلومات اللازمة لإنجازه. 

بعد أن يخضع حساب المهمة وقطع الحساب لرقابة ديوان المحاسبة،  ترفع الحكومة إلى مجلس النواب مشروع قانون قطع الحساب هذا، فيقره استناداً إلى ملاحظات ديوان المحاسبة. ولكي يتمكن ديوان المحاسبة من القيام بوظيفته الرقابية المنصوص عليها في الدستور، لا بد من توفر شرطين أساسيين:

أن يرد حساب المهمة وقطع الحساب إلى ديوان المحاسبة، مكتملين،  بمعنى الاشتمال على ميزان دخول وكامل الأرقام والتفاصيل والملاحظات والمعطيات والبيانات التفصيلية والتفسيرية، والمستندات الثبوتية المؤيدة. وأن ترد الحسابات والبيانات ذات العلاقة في مواعيدها المحددة في النصوص. 

لرقابة ديوان المحاسبة على قطع حساب الموازنة بعدان:  

    الأول تقني، ويرتبط بصحة حسابات المحتسب وبدقة الرقم الذي ينتهى إليه قطع الحساب من عجز أو وفر. والثاني قانوني وجوهري، ويهدف إلى تقديم ملاحظات وأرقام صحيحة مدققة وموثوقة حول نتائج تنفيذ قانون الموازنة. 

رقابة ديوان المحاسبة بين النظرية والتطبيق: 

اعتباراً من العام 1980، انقطعت أجهزة وزارة المالية عن إعداد حسابات المالية العامة السنوية واستمرت كذلك حتى العام 1993، حيث صدر أول قانون لقطع حساب الموازنة العامة بعد أحداث 1975. وتضمنت أسبابه الموجبة تبريرات وزارة المالية لهذا الانقطاع. وقد أدى تعذر إعداد هذه الحسابات إلى تعذر ممارسة ديوان المحاسبة ممارسة رقابته عليها في مواعيدها وضمن المهل القانونية. وخلال العام 1995 أقر مجلس النواب قطع حساب الموازنة العامة للعام 1993، وقرر صرف النظر نهائياً عن إعداد حساب مهمة المحتسبين المركزيين، وحساب المهمة العام وقطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة للسنوات 1990 وما قبل. وخلال العام 2005، عاد قانون الموازنة ليقر مجدداً الإعفاء من إعداد الحسابات عن سنتي 1991 و1992، لنفس الأسباب. وبقيت المشكلة المتمثلة بتعذر إعداد الحسابات على حالها، حتى اليوم حيث سمعنا عن تقرير صدر عن ديوان المحاسبة حول قطع حساب موازنة 1997!!!!. 

أما بالنسبة لرقابة ديوان المحاسبة الإدارية المسبقة على الصفقات، والتي تكرر دور مراقب عقد النفقات، إلى حد ما، وتشمل التحقق من انطباق التلزيم على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، فهي ليست أفضل بكثير من نتائج الرقابة على الحسابات من حيث الفعالية والفائدة، وذلك لعدة أسباب منها بقاء رؤساء الغرف في ديوان المحاسبة  يعملون بالوكالة لسنوات طويلة أدت إلى حالة عدم استقرار، كان يمكن لتنال من استقلالية البعض، ناهيك عن التدخلات والتأثير السياسي. 

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرقابة القضائية على الموظفين التي تتراكم ملفاتها لدى الديوان ولدى النيابة العامة لديه، وكذلك الأمر لدى التفتيش المركزي، والتي نادراً ما كان يتم البت بها، فتسقط بمرور الزمن، وإذا فتحت فانتقائياً. ولكي أكون منصفاً أنقل أنني تعرقت مؤخراً على نهج مختلف أصرت عليه رئيسة إحدى الغرف التي ترفض حفظ أي ملف قبل إجراء التحقيق فيه، حتى ولو كان بحكم الساقط بمرو الزمن. كذلك لا بد من التذكير هنا بصرخة رئيس الهيئة العليا للتأديب السابق يوم أعلن عن إحباطه بسبب عدم إحالة التفتيش المركزي ملفات الموظفين المخالفين إليه، ففضل ترك الهيئة والعودة إلى ديوان الحاسبة ومؤخراً إلى محافظة مدينة بيروت.

 

بالنتيجة، أنت لا تحتاج  إلى مقدمات وتبريرات أو أدلة لكي تحكم على مدى فعالية ونتائج رقابة ديوان المحاسبة. يكفيك واقع الفساد المستشري، والاختلاسات المتمادية التي تكتشف بالصدفة أو بعد تقاعد المرتكبين وهم كثر. وتنبئك عنه روائح الصفقات التي تفوح في قطاع الكهرباء والبواخر والمياه والسدود والاستملاكات وعقود المستشارين والاستشاريين العالميين والمتعهدين المفلسين أو المدرجين على لوائح فساد البنك الدولي أو من ذوي السوابق في النزاعات القضائية الدولية، وسوق المحروقات ومن الفيول المغشوش وفي تلزيمات وزارة الطاقة والمؤسسات التابعة لوصايتها، وفي قطاع الاتصالات والنفايات والأشغال العامة والتي انعكست ازدياداً في حجم الدين العام والعجز المالي للدولة، وخجلاً في سعي الحكومة وكبار المسؤولين عن مراجع ومؤسسات رقابية عالمية بديلة تعوض عن هذا التقصير.