لبنان في دائرة العتمة مجدداً...
 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - 2020-07-19
طرح صديق على "ملتقى حوار وعطاء بلا حدود" عدة أسئلة تتعلق بالهدر في قطاع الكهرباء وإضاعة أموال الخزينة ، وذلك مع دخول لبنان في العتمة وإمكانية تكرار هذه الأزمة، وأسباب عجز الدولة عن تأمين الكهرباء للمواطن

وماا إذا كان يمكن تقدير كلفة عجز الكهرباء التي تكبدتها الخزينة  حتى اليوم، وشرح أسباب عدم معالجة الأزمة قبل وقوع لبنان في هذه الأزمة والعجز المالي وإمكانيات المعالجة اليوم ؟

وطلب مني الإجابة فأجبت بما يلي:

 

أولاً - يجب التمييز في بحث الأزمة ومخاطرها والمسؤولية عنها بين فترتين: 

1.قبل 2005 وبعد 2005، وذلك لأن الكهرباء جرى تأمينها تقريباً 24/24 مباشرة قبل الدخول في العام 2000،  بحيث توفر التوازن المالي لدى مؤسسة كهرباء لبنان، وإنما كان يجب متابعة تطوير القطاع ليستجيب لازدياد الطلب الناتج عن التوسع السكني والمدني والتجاري، ونشوء المجمعات التجارية الكبرى وغيرها من المشاريع الصناعية والفندقية والسياحية. وهذا لم يحصل وإنما كانت المشكلة أبسط من اليوم إن من ناحية التكلفة  أو لناحية إمكانية توفير التمويل وقدرة الدولة على الاستدانة، وكلفة هذين التمويل والاستدانة، وذلك مقارنة بالظروف الراهنة وبعد الانهيار المالي الذي نعيشه. ونشير هنا إلى إقرار قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 خلال العام 2002، الذي يفترض يلحظ إشراك القطاع الخاص في قطاعي الإنتاج والتوزيع وإعفاء الخزينة من هدر كهرباء لبنان وعجزه، وبكل أسف لم يطبق وفقاً للأصول حتى اليوم، بسبب رغبة وزراء الطاقة بالتسلط على القطاع وإدارة شؤونه وفقاً لرؤية كل منهم ومصالحه على حساب المصلحة العامة......!.    

ويجب ألا ننسى أحداث 2006 والأزمة التي تلتها اعتباراً من 2007 على مستوى الشلل الحكومي والفراغ الذي أصاب البلاد، وعدم إقرار موازنات عامة، حيث كانت ظروف المعالجة أصعب من الفترة السابقة.  

2.اعتباراً من 2009 اختلف الوضع إيجاباً، لا سيما بعد الدخول في الاستقرار النسبي وموافقة الحكومة على ورقة سياسة قطاع الكهرباء خلال حزيران 2010، التي سميت  "خطة الكهرباء" وأقر بعده القانون 181/2011 الذي وفر 1،2 مليار دولار لبناء معامل بقدرة 700 ميغاواط، وتجهيز شبكتي النقل والتوزيع وبكل اسف أصيب بانتكاسات عديد بسبب سوء إدارة الخطة من قبل الفريق الذي تولى الوزارة منذ تلك الفترة. 

أما بالنسبة لتكلفة قطاع الكهرباء التي تحملتها الخزينة فقد بلغت حوالي عشرين مليار دولار خلال العشر سنوات الأخيرة فقط، ما عدا الفوائد وتكلفة الاستملاكات. وإذا أضفنا تكلفة إنشاء المعامل المنفذة أواخر التسعينات، وكذلك تكلفة إعادة التأهيل وتجديد شبكات النقل، التي، حسب تقارير مجلس الإنماء والإعمار، بلغت تكلفة العقود التي تم تلزيمها بين 1/1/1992 و31/12/2007، لصالح قطاع الكهرباء  1،42 مليار دولار. يضاف إليها تكلفة المعامل الجديدة في الذوق والجية، ومحطات النقل في الأشرفية والضاحية والحصاص وخطوط النقل الجديدة في مناطق من البقاع والشمال، والاستملاكات، وتسديد قروض متوجبة على المؤسسة وتسديد ثمن الطاقة المستجرة من سوريا، وسلفة البواخر الأولى وأعباء المستشارين لتنفيذ حطة 2010، والاستشاريين لإعداد دفاتر الشروط وتكلفة دعاوى التحكيم والمحامين والمصالحات على دعاوى عديدة، ...  والتي لو تم تقدير مجموعها  بحوالي الخمس مليارات دولارات فقط،  بحيث يصبح المجموع العام مضافاً إلى "سلفات الخزينة" حوالي 40 مليار تبسيطاً للاحتساب، 

وبتقدير الفوائد المتوجبة على هذه الحصة من الدين العام، التي لو احتسبت على أساس 5 % كمعدل وسطي على نصف المبلغ على عشر سنوات، فإن حصة دعم كهرباء لبنان من فوائد الدين العام سوف تقارب العشر مليارات دولار، بحيث يقترب المجموع من 48 مليار دولار تقريباً.

أخيراً أشير إلى أمر مهم وهو أن الثقل الفعلي أو "الحدّي" للدولار الواحد من الدين وأهميته النسبية تختلف، باختلاف قدرة الدولة على لاستدانة كما على السداد، بحيث تكون حصة عجز الكهرباء من الدين العام خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد 2015، حيث كان يجب أن يتم تنفيذ المعامل، هي أثقل وأخطر نسبياً ويمكن النظر إليها على أنها هي التي قصمت ظهر الخزينة وادخلت البلد في الانهيار المالي والمصرفي والاقتصادي!.   

اعترض احدهم قائلاً:

"....  ان الحسابات التي اجريتها تبعا للحاجة المتوقعة للعام 2030 سوف تصل الى ما يزيد على 7200 ميغاوات بعد الاخذ بعين الاعتبار نمو النشاط الاقتصادي الذي يعمل بطاقة انتاجية لا تزيد على 33% من القدرة الانتاجية العامة وبعد الاخذ بعين الاعتبار النمو السكاني خلال 10 سنوات (د. ب. حنا)

فعدت وأجبت:

زميلنا العزيز

لدينا الكثير من الخطط والتخطيط والرؤى، ومنها قانون تنظيم قطاع الكهرباء، الذي وضع الأسس لإشراك القطاع الخاص في قطاعي إنتاج وتوزيع الكهرباء، وحدد دوراً مختلفاً لمؤسسة كهرباء لبنان في المرحلة المقبلة، واشترط لتنفيذه تشكيل هيئة ناظمة للقطاع تتابع التطورات العالمية الحديثة التي تطرأ على النظم والتقنيات على مختلف مستويات أنشطة الكهرباء، بحيث تتبنى الحكومة  هذه الباقة من الأسس والقواعد والمعايير والنظم وتقرها بصيغة سياسة القطاع وتوجهاته المستقبلية ويبقى على الهيئة أن تراقب وتنظم وتعطي التصاريح والتراخيص...،

وكذلك هناك ورقة سياسة قطاع الكهرباء التي أقرها مجلس الوزراء خلال حزيران ٢٠١٠ وقد تمت تسميتها "خطة" كان يفترض ان ينتهي تنفيذها بنهاية ٢٠١٥ وتباشر الهيئة الناظمة دورها في تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص غير أن هذه "الخطة" لم تنجز وجرى تعديلها وتطويرها وتيويمها خلال ٢٠١٧ و ٢٠١٨ و ٢٠١٩ فكان لكل "صيف" خطته الانقاذية، والحبل على الجرار.. وكذلك أقرت الحكومة مخططاً توجيهياً لقطاعي النقل والإنتاج يمتد حتى ٢٠٣٠، 

وبالتالي فإن ما ينقصا اليوم ليس "الخطط" وإنما التنفيذ وفق القوانين

والأنظمة المرعية الإجراء. 

وبكل أسف إن الفريق المقيم في وزارة الطاقة منذ ٢٠٠٩، قد أضاع فرصاً ثمينة قبل الدخول في الأزمة المالية الحالية الخانقة التي وصل اليها البلد وجعلت من توفير التمويل أمراً شبه مستحيل على مستوى الدولة والمصارف ومستثمري القطاع الخاص الداخلي والخارجي، ولم يعد هناك من مخرج سوى بالاستعانة بدول صديقة او بالصناديق التي تشترط لتعاونها اجراء إصلاحات جدية في قطاع الكهرباء وغيره وما زلنا نتحايل ونراوغ وكان آخر هذه الفصول تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان  بدون رئيس لتمرير بقاء القديم في موقعه بالرغم من مسؤوليته وشراكته  بالفشل والفساد والانهيار الحاصل في المؤسسة. وقد جاء هذا التعيين بعد انقضاء حوالي العشرين سنة على مجلس الا دارة القديم ولم يفلحوا في اقناع الخارج بجدية نيتهم في الاصلاح. 

أما الهيئة الناظمة فلم يتم تعيينها كي يبقى الوزير متحكماً بشؤون القطاع، والأغرب من كل ذلك هو أن الوزير الحالي تحدث عن "متمرنين" يسعى لتدريبهم على يده قبل إطلاق يدهم، فيما الهيئة الناظمة تتشكل في الدول الجدية من ذوي الخبرة والتجربة والمشهود لهم بالكفاءة! 

تصوروا رؤية الوزير وغرابتها واستنتجوا!

لذا أرجو من الشريك في الملتقى أن يعيد النظر بحكمه على موقفنا لاننا نريد حلاً ولدينا تصور جدي يقتضي كف يد القابضين على القطاع وهناك تصور واضح يصلح للظرف الاستثنائي الراهن.

إن حل أزمة الكهرباء اليوم بحاجة إلى التفكير "خارج الصندوق" اقصد صندوق خطط الكهرباء الذي يأسر البلاد والحكومة بسبب تعنت الفريق المهيمن على القطاع ورفضه التنحي "خوفا على إنجازاته".

إن معالجة أزمة الكهرباء لا تحتاج لعبقرية وانما لرجل نزيه نظيف الكف يستمع لأصحاب الخبرة والتجربة! 

آمل أن أكون نجحت في إقتناع غير المقتنع بعد بفشل النهج المستمر منذ اكثر من عشر سنوات وحول قطاع الطاقة الى ما يشبه "الوقف الذري" لسلالة التيار وخريجيه ومناصريها. 

غسان بيضون