الجمهورية : إشتباك بين المُكلَّف والمُكلِّفين على جنس ‏الحكومة... و"التيار" سيقاطعها
 
صحف | 2020-01-13
يستمر الاستحقاق الحكومي دائراً في دوامة التعقيد المتأتية من المواقف المتناقضة بين ‏المعنيين، والتي تدلّ الى وجود اشتباك جدّي حول طبيعة الحكومة العتيدة بين الرئيس ‏المكلّف حسان دياب وبين الفريق الذي كلّفه تأليف هذه الحكومة. فيما يُنتظر ان يكون هذا ‏الاسبوع ساخناً لما سيشهده من اضطرابات، وربما اشتباكات، على جبهات التأليف ‏الحكومي والوضع الاقتصادي والمالي، الذي يمضي الى مزيد من الانهيار، والحراك ‏الشعبي الذي يستعد لجولات جديدة في غياب المعالجات التي يُفترض ان تباشرها حكومة ‏جديدة، لأنّ حكومة تصريف الاعمال تبدو مستقيلة من مهماتها التصريفية.‏ 



ينطلق الاسبوع على جمود واضح في مسار التأليف، من دون ان يطرأ اي جديد على ‏مواقف الاطراف المتباينة حتى الآن حول شكل الحكومة، بين فريق يريدها تكنوقراط ‏كلياً، وفريق يصرّ على تشكيل حكومة تكنوسياسية.‏ 


وقالت مصادر معنية بملف التأليف لـ"الجمهورية"، انّ "الامور ما زالت جامدة عند ‏مربّع السلبية الذي وصلت اليه الاسبوع الماضي، ولم تسجل نهاية الاسبوع اي اتصالات ‏بين القوى المعنية"، مرجّحة ان تُستأنف هذه الحركة خلال الايام القليلة المقبلة، "ولكن ‏حتى الآن يمكن القول انّ ملف التأليف ما زال يراوح في نقطة الصفر".‏ 


ووصفت المصادر نفسها حال ملف التأليف الحكومي راهناً، بأنّه "اشبه بلعبة تقاذف ‏الكرة، بين الرئيس المكلّف حسان دياب، الذي يصرّ على حكومة تكنوقراط، وفق القواعد ‏والمعايير التي اعلن عنها في بيانه الاخير، أي لا وجود لسياسيين او حزبيين فيها، كما لا ‏وجود لوزراء من حكومة تصريف الاعمال، وبين فريق التكليف ويتصدّره رئيس ‏الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي حدّد خياره النهائي ‏بعدم المشاركة بحكومة تكنوقراط، او حكومة تفتقد المعايير التي كانت متّبعة، وتتضمن ‏إخلالاً بالتوازنات أو اكثريات لأطراف معينة داخل الحكومة، بما يجعل هذه الحكومة ‏رهينة لها، وتعمل وفق مشيئتها.‏ 


وفيما تصرّ اوساط الرئيس المكلّف على مضيّه في المسار الذي رسمه لنفسه لدى تكليفه ‏تشكيل حكومة تعكس صورته "التكنوقراطية"، وانّ المجال الزمني مفتوح امامه لبلوغ ‏هذه الغاية، لأنّ التكليف ليس محدداً ودستورياً، بمهلة زمنية، اكّدت مصادر فريق التكليف ‏لـ"الجمهورية" إستحالة تشكيل حكومة "تكنوقراط"، لأنّ الظروف الداخلية والاقليمية ‏تحتّم الوصول الى حكومة بحجمها، محصّنة باختصاصيين وسياسيين، وأنّ الكرة اليوم ‏في ملعب الرئيس المكلّف. واستغربت المصادر "إصرار بعض الاطراف السياسية على ‏السعي للحصول الى اكثر من الثلث المعطّل داخل الحكومة"، متسائلة: "ما هي الحكمة ‏من المطالبة بهذا الامر ضمن حكومة يشكلّها فريق واحد".‏ 


كذلك استغربت استبعاد "الحراك الشعبي" عن الحكومة ومحاولة بعض الاطراف ‏مصادرة تمثيله، مشيرة في هذا المجال الى موقف رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، ‏الذي اصرّ في حال استبعاد الحراك نهائياً، على الحصول على حقيبتين وزاريتين وإلّا ‏فإنّه سيكون خارج الحكومة.‏ 


دياب ينتظر اجوبة 


وسط هذه المواقف عكست أجواء قصر بعبدا هدوءاً على جبهة التأليف الحكومي نهاية ‏الأسبوع، ولم تسجل الساعات الفائتة اي جديد في انتظار ان تستعيد الإتصالات زخمها ‏اليوم بعدما غاب الوسطاء عن المشهد.‏ 


وتحدثت مصادر الرئيس المكلّف عن جمود في الإتصالات منذ البيان الذي أصدره ‏منتصف ليل الجمعة ـ السبت الماضي، ولم تشهد دارته في تلة الخياط اي لقاءات ملفتة، ‏وذلك في انتظار أجوبة ينتظرها من رئيس الجمهورية حول مسودة التشكيلة الوزارية، ‏التي كان سلّمه ايّاها في لقائهما الثلثاء الماضي، والتي ادخلا تعديلات عليها. لكن رئيس ‏الجمهورية، وضمن صلاحياته الدستورية، استمهل دياب لدرسها ومن ثم ابلاغه موقفه ‏النهائي، وهو ما لم يتبلّغه الأخير بعد.‏ 


وكشفت مصادر مطلعة لـ"الجمهورية"، انّ الإتصالات انقطعت نهائياً منذ يوم الثلثاء ‏الماضي بين عون ودياب والوزير جبران باسيل، وكذلك مع عين التينة، خصوصاً انّ ‏سلسلة المواقف الأخيرة التي اطلقها بري الاربعاء الماضي فرملت الجهود المبذولة على ‏كل المستويات وتعطلّت لغة الكلام المؤدي الى استكمال المساعي لإقفال التركيبة بتسمية ‏آخر الوزراء الإختصاصيين المرشحين لتأليف الحكومة، بعدما انحصرت المساعي ‏بتسمية إثنين او ثلاثة وزراء وابرزها وزارة الطاقة.‏ 


وفي هذا الإطار، قالت أوساط قريبة من مطبخ التأليف، انّ الموقف المنتظر الذي يعلنه ‏تكتل "لبنان القوي" بعد اجتماعه الأسبوعي غداً، سيبنى عليه كثيراً حيال مستقبل العلاقة ‏بين دياب والتكتل.‏ 


وعلمت "الجمهورية" انّ الموقف الذي سيتخذه التكتل غداً سيكون من شقين: الاول، ‏الاعلان عن انّه لن يتعاطى في الشأن الحكومي ولن يشارك في اي حكومة. والثاني ‏توجيه انتقادات شديدة الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في ضوء مواقفه الاخيرة، ‏والطلب منه أن يكشف علناً عن حسابات الذين هرّبوا اموالهم الى الخارج.‏ 


بيت الوسط 


على صعيد آخر، قلّلت مصادر "بيت الوسط" عبر "الجمهورية" من اهمية البناء على ‏عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الى بيروت في الساعات المقبلة. ‏وقالت، انّ عودته لا تعني إحياء لحكومة تصريف الأعمال، وانّ الورشة المطلوبة هي ‏لتشكيل الحكومة الجديدة لكي تتحمّل مسؤولياتها في مواجهة التطورات على كل ‏المستويات، واي حديث عن إحياء الحكومة المستقيلة لا يمكن الرهان عليه في مثل ‏الظروف التي تعيشها البلاد.‏ 


‏"حزب الله"‏ 


الى ذلك، فوجئت الأوساط السياسية أمس بخلو خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن ‏نصرالله، في ذكرى اسبوع اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، من اي إشارة الى ‏الملف الحكومي.‏ 


وقالت مصادر وزارية تواكب التأليف الحكومي لـ"الجمهورية"، انّ "مواقف "حزب ‏الله" الأخيرة لا تشير الى أنّه على استعداد لأي مبادرة يمكن ان يقوم بها في ظل انشغاله ‏بالملف الإقليمي في هذه المرحلة بالذات. فما فرضته عملية اغتيال سليماني غيّرت من ‏اولوياته في هذه المرحلة، على رغم اصراره على الإسراع في تشكيل الحكومة وحاجته ‏الى الإستقرار.‏ 


‏"القوات"‏ 


وفي السياق، قالت مصادر "القوات اللبنانية" لـ"الجمهورية"، انّ "التطورات والاحداث ‏في الاسابيع المنصرمة أظهرت واكّدت اربعة امور اساسية وهي:‏ 


أوّلاً، انّ الثورة مستمرة، والرهان على تعب الناس ليس في محلّه، لأنّ الناس القلقين على ‏مصيرهم والناس الجائعين، لن تخرج من الشارع ولن تمنح ثقتها إلّا للحكومة التي ترى ‏بأنّها قادرة على اخراج لبنان من ازمته المالية والاقتصادية.‏ 


ثانياً، انّ الواقع المالي والاقتصادي يواصل الانزلاق من سيئ الى أسوأ. وانّ هذا الوضع ‏لا يمكن فرملته وإعادة لبنان الى الاستقرار إلاّ من خلال حكومة قادرة على ان توحي ‏بالثقة للمستثمرين في الداخل والخارج.‏ 


ثالثاً، انّ الدول الغربية والعربية غير مستعدة لمساعدة لبنان قبل أن يساعد نفسه. والدليل ‏انّ أيّاً منها لم تقف الى جانب لبنان، على رغم من انّ لبنان معروف انّه محتضن لدى ‏المجتمعين العربي والدولي، لأنّ المشكلة ليست في الخارج بل في الداخل، والخارج ‏اصبح على إقتناع راسخ وتام بأنّه لن يساعد طبقة حاكمة تستفيد من هذه المساعدة ‏لجيوبها وليس لمصلحة البلد.‏ 


رابعاً، إنّ الاكثرية الحاكمة التي تؤلّف الحكومة غير قادرة على الاتفاق في ما بينها، ما ‏يعني أنّه يجب العودة الى الاسس والجذور والخط الوطني المطلوب، والى ما يريده الناس ‏ومتطلبات الأزمة وسبل معالجتها، وبالتالي من غير المفيد وضع الرؤوس في الرمال ‏والتعالي والاستكبار على الواقع القائم، ولا يفيد في شيء الإصرار على تأليف حكومة من ‏لون واحد وموزعة الحصص فيها بين فريق واحد. فهي لن تعطي النتيجة المطلوبة لا ‏لجهة الناس المصرّين والمتمسّكين بحكومة اختصاصيين مستقلّين بعيدة عن الحكومة ‏السياسية، ولن تضع حداً للتدهور المالي والاقتصادي، ولن تستطيع ان تنتزع ثقة الخارج. ‏وما نشهده اليوم من خلافات سيتواصل بوجوه مختلفة، وبالتالي ستسقط الحكومة عاجلاً ‏ام آجلاً وفق ما يُسرّب حول هندستها الحالية".‏ 


وأكّدت المصادر، انّ "القوات اللبنانية" تتمّسك بحكومة الاختصاصيين المستقلين بعيداً ‏عن الحكومة السياسية"، محذرةً "من عدم الإسراع في تشكيل هذه الحكومة لأنّ البلد لم ‏يعد يتحمّل، وقد بدأنا نرى مشاهد فوضى في اكثر من مكان ما يُنذر بكوارث لا يفيد ‏تجاهلها بشيء ومعالجتها لا تكون بالقطعة".‏ 


صلاحيات سلامة 


على المستوى المالي والاقتصادي، لفت أمس الطلب الذي تقدّم به حاكم مصرف لبنان ‏رياض سلامة الى الحكومة عبر وزارة المال، للحصول على صلاحيات استثنائية لتوحيد ‏الإجراءات والقيود التي تتخذها المصارف حيال المودعين.‏ 


واشار سلامة في كتابه، الى أنّ "تطبيق هذه القيود أدّى في مناسبات متعددة إلى إجحاف ‏بحقوق بعض العملاء ولا سيما لجهة المقاربة غير المتساوية مع عملاء آخرين".‏ 


وقد أثار طلب سلامة مخاوف من أن تكون الصلاحيات الاستثنائية المطلوبة مقدّمة للقيام ‏بخطوات اضافية على مستوى اجراءات مطلوبة، بالإضافة الى حماية المصارف من ‏احتمال قيام دعاوى قضائية في وجهها بما أنّ القيود التي تضعها ليست مقوننة حتى الآن.‏ 


وفي السياق، أوضح سلامة لوكالة "رويترز"، أنّه طلب الصلاحيات الاستثنائية من ‏الحكومة "لتنظيم القيود التي طبقّتها المصارف العاملة في البلد على المودعين وتوحيدها ‏لضمان تطبيقها بشكل عادل ومتساوٍ على البنوك والعملاء". وأكّد أنّه لا يسعى من خلال ‏الكتاب الذي أرسله الى وزير المال لاستخدام الصلاحيات الاستثنائية في إحداث إجراءات ‏جديدة.‏ 


وأوضح مصدر مصرفي لـ"فرانس برس"، أنّ "الهدف هو وضع معايير وتوجيهات ‏عامة للعمليات المصرفية على أن تُفرض على كافة المصارف"، مشيراً إلى أنّ من شأن ‏ذلك منح ضوابط على رأس المال رسمياً. ‏
الموازنة 


من جهة ثانية، أكّد رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، في حديث ‏تلفزيوني، أنّ "مشروع موازنة 2020 خرج بصيغته النهائية من لجنة المال والموازنة ‏بخفض 800 مليار ليرة بموافقة وزارة المال"، مؤكّداً أنّ "إقرار الموازنة في الهيئة ‏العامة للمجلس النيابي في الجلسة المرتقب ان يدعو إليها رئيس المجلس نبيه بري، ‏ضروري لتضمنّها إجراءات استثنائية تُعتمد للمرة الأولى وتريح الناس مالياً واقتصادياً، ‏كضمان الودائع ووقف التعقبات للقروض المدعومة المتعثرة".‏ 


وشدّد على أنّ "إقرار الموازنة يضبط الإنفاق ويمنع العودة الى فوضى القاعدة الاثني ‏عشرية"، مشيراً الى أنّه "وبنتيجة تراجع الإيرادات منذ 17 تشرين الأول 2019، ارتفع ‏العجز الى حدود 4300 مليار ليرة، ولكن هذا الرقم عرضة للتبدل صعوداً أو تراجعاً وفقاً ‏للتطورات السياسية وانعكاساتها، والمطلوب أن يدفع لبنان استحقاقاته وأهمها في آذار ‏المقبل، علماً أنّ التمويل في ظل الأوضاع الراهنة صعب".