مفاتيح كاترين الثانية في جيب بوتين
 
آفــاق | المصدر :اينوما - 2020-01-10
في لحظة الغليان التي تجتاح العالم عموماً والمشرق خصوصاً والذي بات يعيش على صفيح ساخن غير مسبوق وعلى خلفية التداعيات السياسية وتصاعد وتيرتها التي تنذر بحرب لا تحمد عقباها

 تأتي زيارة الرئيس الروسي بوتين الى سوريا لتعطي الكثير من الدلالات لا سيما في خضم نزاع إقليمي ودولي ومما لا شك فيه أن هذه الزيارة تحمل في طياتها بعدين أساسيين : ديني وسياسي فالبعد الديني لا يخفى على أحد وهو التوجه نحو انطاكيا بكل ما تمثله من رمز روحي وعقيدة ومقدسات تختزل في طياتها صلة رحم قوية بين البلدين ومن جهة أخرى فإن هذه البقعة الجغرافية ما هي إلا استمرار للصراع الجيوسياسي والجيوستراتجي القديمين ، حيث مثلت التسعينيات فترة الهزيمة الكبرى للقوى القارية المتمثلة حينذاك بالاتحاد السوفياتي والذي رفض الاستمرار في الصراع الدولي والحرب الباردة، فكان ذلك بمثابة خيانة وهزيمة أمام العالم الأحادي القطب ولكن مع مجيء بوتين في بداية القرن الحادي والعشرين تم إعادة تفعيل للهوية الجيوسياسية لروسيا ليس فقط كقوة ضاربة وإنما كثقل أورثوذكسي بدأ باستعادة دوره الريادي الذي اضمحل في ظل الشيوعية.

> مما لا شك فيه أن الدعم الروسي لسوريا والذي يعود الى عقود ، لا يقتصر على الأبعاد السياسية والاستراتيجية ولا يندرج في سياق الصراع الدولي فحسب ، بل الأمر مرتبط بتدابير احترازية تقوم بها موسكو تأكّدت في الفترة الماضية بعد انفجار العنف الوهابي على نطاق عالمي. فموسكو كانت  ترقب بعين القلق الإعتداءات الإرهابية للجماعات المتطرفة التكفيرية/ السلفية خلال العقود الثلاثة الماضية ، حيث امتدت هذه المواجهات إلى أفغانستان والقوقاز الشمالي والبلقان والشرق الأوسط ، وقد فرضت هذه المواجهات على روسيا دفع نفقات باهظة لمنع نشوء نظام جديد في سوريا يمثل تهديداً جدياً لأمن المناطق المسلمة في روسيا واستقرارها.

> وفي قراءة سريعة لزيارة بوتين إلى سوريا نستشف إشارات مهمة جداً بكل المعايير  عسكرية واستراتيجية وذلك في لحظة دولية بالغة الحساسية ، وهي تأكيد روسي على استكمال تحرير ما تبقى من مناطق سوريا وإنهاء ملف الإرهاب التكفيري في إدلب والعمل على استعادة كافة الأراضي السورية.

> فنحن نشهد اليوم تصعيداً غير مسبوق وكأن هذه المنطقة تتأرجح فوق أكتاف الشيطان بعد عملية اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني ومهدي المهندس نائب قوات الحشد الشعبي العراقية ، وليس من قبيل الصدفة أن ترسل روسيا حاملة الصواريخ (أوستينوف) إلى المتوسط دون تخطيط مسبق ولطالما حاولت روسيا تعزيز وجودها العسكري البحري في منطقة المتوسط خاصة في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية ، وهذا لا يخفى على أحد.

>

> وبطبيعة الحال أدرك بوتين منذ بداية الحرب على سوريا وقبلها العراق أن ما يحصل هو شبيه بما حصل بالسابق في بلاده ، وفهم أن الغرب الذي أيّد الانفصاليين الشيشان والإرهابيين المتطرفين في السابق ضد الجيش الروسي هم أنفسهم مع ما يحدث اليوم في سوريا وكان من الضروري ووفق ما تمليه المصالح الروسية ألا تبقى موسكو على الحياد، وإلا كانت ستكون صدمة كبيرة للهوية السياسية الروسية الارثوذكسية لو نأى بوتين بنفسه عما يحدث ، وهو لذلك يمشى على خطى كاترين الثانية التي كانت تقول بأن "دمشق تمسك مفتاح البيت الروسي"، وهذا يحمل في طياته ليس فقط بعداً دينياً وإنما ايضا بعداً سياسياً بامتياز ، مما يعني انه إذا سقطت سوريا ، ستكون روسيا مهدّدة بوحدة ترابها ، أضف الى ذلك مركز انطاكيا وما تمثله في الذاكرة والضمير الروسي الذي يدين بنفس العقيدة.

> روسيا ساعدت بالقضاء على الارهاب التكفيري بغض النظر عن المصالح الإقليمية التي عادة ما تحكم التحالفات الدولية ، أضف إلى ذلك المساعدة في إعادة إعمار الكنائس التي دمرت على أيدي التكفيريين ومساعدة الأديرة والجمعيات الدينية داخل سوريا والدعم المادي الذي لم تبخل به في هذا الاتجاه.

> في القرن العاشر الميلادي أرسلت الدولة البيزنطية مجموعة من المبشِّرين المسيحيين الأرثوذكس الى روسيا للدعوة للمسيحية ، وقد نجحت بتحويلها من الوثنية إلى المسيحية ، مع ربط أواصر العلاقة المقدسة ببطرياركية أنطاكية التي كانت تعتبر العاصمة الحقيقية للمسيحية. ومن هنا كانت الرابطة الأولى مع سوريا والتي اتخذت طابعاً مقدساً .

 

> وفي بدايات القرن الثامن عشر أعلن بطرس الأكبر عن تأسيس الإمبراطورية الروسية التي أصبحت ثاني أكبر أمبراطورية عبر التاريخ بعد الإمبراطورية المغولية  واستمرت من خلال ثنائية القومية الروسية القيصرية والبطريركية الأرثوذكسية في موسكو، ولكن نقطة الضعف الأساسية لهذه الأمبراطورية أنها كانت محرومة من استخدام البحار بحكم كونها ذات طابع بري ومنفذها الوحيد على البحر هو من خلال المنطقة القطبية الشمالية ، مما جعلها تبحث عن موطئ قدم في المياه الدافئة ، وإضطرها لخوض اثنتا عشر حرباً مع الدولة العثمانية للحصول على منفذ عن طريق البحر الأسود من خلال جزيرة القرم ، ولكن هذا لم يشعرها بالأمان لوجود مضيق البوسفور ولحاجتها للتواجد في البحر الأبيض المتوسط الذي تشهد شواطئه وممراته أكبر التبادلات التجارية العالمية ، وكان خير حلم لها هو الشاطئ الشرقي منه وتحديداً سوريا ، وهذا ما جعل الإمبراطورة كاترين الثانية تطلق عبارتها الشهيرة "سوريا مفتاح بيتي". وعلى الرغم من تغير نظام الحكم في الإمبراطورية بعد الثورة الروسية عام ١٩١٧ فإن السياسة الروسية بقيت محكومة بهاجس المياه الدافئة في البحر المتوسط، واستطاعت أن تحصل على موطئ قدم في طرطوس وهو أقل من قاعدة بحرية وعادت القوة الأرثوذكسية لبسط سيطرتها ليس فقط داخل الأراضي الروسية وانما خارجها وخصوصاً مع الكرسي الانطاكي بعد انهيار الإتحاد السوفييتي.