في تعريف الدولة المدنية والدولة العلمانية وما بينهما
 
آفــاق | المصدر :اينوما - الكاتب :الدكتورة ميرنا داوود 2019-11-08
يدور لغط كثير هذه الأيام حول تعريف الدولة المدنية /العلمانية ويبقى السؤال لماذا يفضل الناس استخدام مصطلح الدولة المدنية أكثر من مصطلح العلمانية؟ يرجع ذلك فى رأيى لسببين: أولهما حملات التشويه الفكرى على مدى أكثر من نصف قرن على يد الراديكاليين، والثانى هو أن مصطلح الدولة المدنية فى استخدامنا الشرقي فضفاض ويحتمل التأويلات مما يسمح بالتضليل والتلاعب.
العلمانية فلسفة فى الحكم تسعى للحفاظ على وحدة الدولة مهما تعددت أديان المواطنين ومرجعياتهم الثقافية. وكان الفيلسوف الإنجليزى جون لوك ، واضع أسس العلمانية فى القرن السابع عشر، يرى أن وظيفة الدولة هى رعاية مصالح المواطنين الدنيوية. وكان جون لوك فيلسوفاً متديناً أراد أن ينقذ الدين من تلاعب السلطة به واستخدامه لأغراضها. ورأى أن انحياز الدولة لدين معين يشجع على النفاق والتدين الشكلي، فضلاً عن أنه يهدد وحدة الدولة والتعايش السلمى بين المواطنين.
 
ومن هنا فالعلمانية لا تعادى الدين كما سبق وذكرت في مقالات سابقة، هى فقط تمنع استخدام الدولة له لتبرير سياساتها ، وهى تكفل المساواة لجميع المواطنين على اختلاف دياناتهم وهذا يفسر الهجوم الذى لاقته ومازالت تلاقيه العلمانية من تيارات الإسلام السياسي.
 
ولم تعد العلمانية نظاماً غربياً ، بل أصبحت هى مبدأ الحكم الحديث فى سائر أرجاء العالم. فالدولة علمانية فى اليابان والصين والهند وتركيا وأمريكا اللاتينية. ويمكن بالطبع أن نلاحظ تفاوتاً بين الدول فى تطبيق العلمانية ، ولكنها تنتهى جميعها إلى الاتفاق حول محورين أساسيين: يحكم الدولة القانون الوضعى العقلانى وليس شريعة سماوية ، وعدم التمييز بين المواطنين وهذه هى الدولة المدنية والمواطنة الحديثة.
 
نلاحظ فى الجدل السياسي الدائر فى الساحة العربية إجماعاً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على شعار الدولة المدنية. والأمر هنا يدعو إلى القلق أكثر مما يدعو إلى الاطمئنان  فالبعض يسعى لتطبيق نظام مدني تحت غطاء ديني ويعبرعن هذا القلق التصريحات الغريبة التى نسمعها تقال في هذا المجال كدعوات بعض الأصوليين لتطبيق دولة مدنية تحكمها الشريعة وهذا تناقض صارخ فى المصطلح ، فحياد الدولة فى المسائل الدينية ينبغى أن ينزع من القانون أى مزاعم فى كونه مقدساً أو تطبيقاً لشريعة دين بعينه.
 
وهكذا نلاحظ أن مصطلح الدولة المدنية في البلاد العربية ضبابي يجعلونه يحمل الشىء ونقيضه، بل ويجعلونه يحمل كل ما يهدم مبدأ الدولة المدنية من أساسه. فالدولة العلمانية والدولة المدنية هما شىء واحد يقوم كما قلنا على أساسين: القانون الوضعى وعدم التمييز بين المواطنين. وهي بذلك تكون الدولة التى تستجيب لشروط العصر وتستطيع الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية فى الحقوق.
وفي التعريف القانوني للدولة المدنية فهي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية. وثمة جملة من المبادئ التي ينبغي توفرها لكي يقال عنها دولة مدنية ، وأي نقص في أحد هذه المبادئ يخل في شروط تحققها ومن أهمها ما يلي :
 أن تقوم تلك الدولة على نظام مدني من العلاقات أساسها السلام والتسامح وقبول الآخر، والمساواة في الحقوق والواجبات ، حيث أن هذه القيم هي التي تشكل ما يطلق عليه الثقافة المدنية ، قهي تضمن حقوق جميع المواطنين ولا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. فهناك دوماً سلطة عليا هي سلطة الدولة والتي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوقهم.
وهذا يعني أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفاً قانونياً اجتماعياً بأنه مواطن، أي أنه عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات. وهو يتساوى فيها مع جميع المواطنين. إن المواطنة لصيقةٌ بالدولة المدنية، فلا دولة مدنية بدون مواطنة ، والمواطنة لا تتحقق إلا في دولة مدنية ديمقراطية تعددية دستورية تصون كرامة المواطن وقناعاته في ممارسة معتقداته وأفكاره. 
أما العلمانية فهي "الفصل بين الدين والدولة" أي أنها تعترف بالدين و لكنها لا تعتمد عليه في تشريعاتها و قوانينها. تواجدت العلمانية في فترة مُبَكِّرَة من التاريخ الفرنسي المعاصر استناداً إلى القانون الفرنسي لفصل الكنيسة عن الدولة ، وامتد تفسير العلمانية الفرنسية ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان على السواء.
تفصلُ الدولة العلمانية بين مجالين مختلفين في حياة الناس: العام والخاص. فالمجال العام الذي يضمّ المدرسةَ والفضاءَ المدني عموما فهو مكرّسٌ لما يخدم جميع الناس ، بغضّ النظر عن أصولهم وألوانهم ومعتقداتهم الدينية. ولا مرجعية فيه لأي دينٍ. أما المجال الخاص فيستوعب كلَّ المعتقدات والرؤى الشخصية ، دينية كانت أم لا دينية.  كما تضمنُ الدولة العلمانية المساواة الكلية بين كل المتدينين بمختلف مذاهبهم ، واللامتدينين على حد سواء. 
وأما الدولة المدنية فهي دولة يحكمها الدستور (العقد الاجتماعي) وتشكل منظومة التشريعات والقوانين مرجعية حاكمة لتنظيم التوازن والتلازم بين السلطات والصلاحيات وطريقة التداول على السلطة  وضمان حق المواطنين بممارسة حرية الرأي والتعبير والتنظيم ، والأمة هي مصدر السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية من خلال ممثليها ، وهم أعضاء البرلمانات فيها ، حيث يهيمن القانون على كل مكونات الدولة أفراداً وسلطات، وتُفوض السلطة الحاكمة بقيادة الدولة تفويضاً مقيداً لا مطلقاً نحو مصالح الوطن والمواطنين.

 

وأما المعايير التي تجعل الدولة مدنية فهي تتضمن خمسة اعتبارات أساسية: تمثيلها إرادة المجتمع ، وكونها دولة قانون ، وانطلاقها من نظام مدنى يضمن الحريات ويقبل التعددية وقبول الآخر، وقيامها على اعتبار المواطنة أساسا في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها ، وأخيرا التزامها بالديمقراطية والتنافس السلمي على السلطة.
أخبار ذات صلة

صناعة الحروب : "جدلية الأخلاق والعلم"..! >>

البستاني: الدولة المدنية هي السبيل الوحيد لاستكمال بناء الوطن ومؤسساته >>

الأصوليات المعاصرة واشكالية التعددية الثقافية >>

الهويات الاثنية والانتماءات القومية >>

معاهدة فرساي وصعود النازية >>

أهم الأخبار
الادعاء على وزراء اتصالات سابقين ومديري “ألفا” و”تاتش” ومدير “أوجيرو” >>
استفهامات حول مناقلات في «أوجيرو» >>
غارات إسرائيل في سوريا.. هجمات متكررة وأهداف إيرانية >>
ماذا لو كان جعجع رئيساً للجمهورية؟ >>
عن ثلثاء الغضب... «لو كان برّي يعلم» >>