بوشكين عظيم روسيا...ومن الحب ما قتل!
 
آفــاق | المصدر :اينوما - الكاتب :الدكتورة ميرنا داوود 2019-06-28
الكسندر بوشكين.. كبير شعراء روسيا وهو من أعظم الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، ولقب بأمير الشعراء. وبالرغم من أن بوشكين لم يعش أكثر من 36 عامًا، فإنه قد ترك الكثير من الآثار الأدبية؛ لدرجة أن قراءه يشعرون أنه قد عمَّر كثيرًا..لقد اعتبر عصر بوشكين هو العصر الذهبي للشعر الروسي، وهو عصر التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى.

وشهد العصر الذي عاش فيه بوشكين صوراُ كثيرة من الاستبداد الاجتماعي؛ فكانت السلطات مركزة بين القيصر والنبلاء، وكان بوشكين الذي انحدر من أسرة نبيلة يعبر عن قساد وسطه، ويطالب بحرية الشعب، بوصفه المرجع الأول والأخير للسلطة، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا، وكان ناقماً على مجتمعه مطالبًا بتقييد الحكم القيصري وإعلاء الديمقراطية بين الناس. 

لقد تأثر في بداياته بالأدب الفرنسي، ولكنه ما إن نضج واحتك بالمجتمع حتى اتجه صوب الأدب الإنجليزي، وتأثر بتيار شكسبير الذي نحا نحوه في مسرحياته مع احتفاظه بالطابع الروسي. 

ومن الجدير بالذكر أنه قد زار القرم والقوقاز ، وكتب بعض القصائد التي تشير إلى هذا التأثير: "الأسير القوقازي" و"القوقاز"، و"الليالي المصرية" التي لم يكمل كتابتها، وفي أثناء هذه الزيارة اهتم بتعلم اللغة العربية اهتماماً كبيراً. 

ولد بوشكين في موسكو في السادس والعشرين من شهر أيار عام 1799 ونشأ في أسرة من النبلاء كانت تعيش حياة الترف واللهو، تاركة أمر الاعتناء بالطفل بوشكين إلى الخدم والمربين الذين كانوا عرضة للتغيير دائمًا، إلى جانب عدم إتقانهم اللغة الروسية إتقانًا تامًّا، وكان أبوه شاعرًا بارزًا في ذلك الوقت؛ فساعد ذلك على ظهور موهبته الشعرية مبكرًا، بالإضافة إلى ذكائه الخارق. 

ترجع الجذور التاريخية لـ "بوشكين" إلى أصل حبشي (إفريقي)؛ فأمه "ناديشد أوسيبافنا" كانت حفيدة "إبراهيم جانيبال" الجد الأكبر لبوشكين، والذي كان من الضباط المقربين لدى القيصر "بطرس الأول"، وليس من الغريب أن يرث بوشكين بعض الملامح الإفريقية؛ فكان أجعد الشعر غليظ الشفتين بارز الصدغين. 

ونتيجة لتأثره بتاريخ جده إبراهيم جانيبال، فقد خصص رواية كاملة بعنوان "عبد بطرس العظيم" يحكي فيها قصة هذا الجد الذي تم إهداؤه إلى القيصر بطرس الأول، وأصبح من المقربين إليه، وتعد هذه الرواية من أعظم الروايات التاريخية الواقعية في تاريخ الأدب الروسي. 

تلقى بوشكين تعليمه في معهد النبلاء للتعليم الثانوي والعالي معا، ومدة الدراسة به ست سنوات، وقد أنشأ هذا المعهد "ألكسندر الأول" لاعداد شباب الأسر الروسية العريقة لتولي المناصب الهامة في دائرة الحكومة القيصرية مستقبلاً. 

من المعروف أن بوشكين وأثناء حياته الدراسية كان محاطاً بحلقة من عشاق الأدب والمفكرين والشعراء، وقد لاحظ الكثير من أساتذته موهبته العالية في نظم الشعر، وتميزت أحاسيسه بالقوة اضافة الى حسه الوطني العالي. 

وحدثت بعض الوقائع التاريخية في أثناء دراسة بوشكين بالمعهد، وهى: مساهمة روسيا في السياسية الأوربية، وغزو نابوليون لروسيا، وحرق موسكو، وزحف الجيوش الروسية على أوروبا، وسقوط باريس، والقبض على نابوليون ونفيه.. كل ذلك دفع بوشكين إلى المطالبة بالحرية والعدالة في روسيا. 

أثرت سنوات دراسة بوشكين في تعزيز نزعته الأدبية والسياسية، كما كتب العديد من القصائد الشعرية في أثناء دراسته بالمعهد، مثل: "أمنية " و"العلم" و"رسالة إلى بودين". وبعد أن تخرج من المعهد أُسندت إليه وظيفة في وزارة الخارجية الروسية، وما تكاد ساعات العمل تنتهي حتى يفر إلى صالونات "بطرسبرج" فيرتاد أنديتها الأدبية والعلمية. 

عرف عن بوشكين حبه للتجديد في شعره الذي كان يهدف من خلاله إلى إلغاء القيصرية، والقضاء على الاقطاع والرق. 

كتب العديد من القصائد الشعرية، مثل: "الأسير القوقازي"، و"الأخوة الأشرار"، و"النور". 

كان بوشكين متحمسًا للاتجاه العاطفي الرومانسي؛ لأنه كان يعتبره منافيًا لسائر الأساليب التي يقوم عليها الأدب الكلاسيكي المزيف، وكذلك فإنه يعطي للكاتب حق التصرف بالفكرة الموضوعة، ولكنه ما لبث بعد فترة أن غير اتجاهه إلى الواقعية، وألَّف بعض الأعمال التي عبّرت عنها فجاءت من صميم الحياة. وقدم بوشكين للقارئ من خلال أعماله صورًا من حياة نبلاء روسيا، ونمط معيشتهم، وما اتسمت به الطبيعة الروسية في تلك الفترة. 

أراد بوشكين إحداث تغيير جوهري في المسرحيات الروسية وانقلابًا في المسرح الروسي كله؛ فاتجه إلى شكسبير، ووجد في مسرحياته الانطلاق، والإخلاص، والحقائق، والأهداف السامية، ورأى أن المسرح الروسي يتلاءم ومسرحيات شكسبير الشعبية في ذلك الوقت. 

في تشرين الثاني سنة 1852 توفي "ألكسندر الأول" ، وتولى "قسطنطين" الحكم، الذي تخلى عنه لأخيه نيقولا. 

لم يكد "نيقولا" يعتلي العرش حتى هبت الثورة  في 14 كانون أول سنة 1825، والتي تعد أول حركة ديمقراطية منظمة في روسيا، وكان بوشكين منحازا لها، ونتج عن هذه الثورة قتل بعض زعمائها ونفي آخرين إلى مجاهل سيبريا. 

لم يستطع القيصر نيقولا أن يجد في مؤلفات بوشكين ما يشير إليه أو إلى سياسته فنقله من قرية "ميخايلوفسك" إلى موسكو، مستخدمًا معه أسلوب اللين والمراوغة. 

أراد القيصر أن يجعل بوشكين شاعر البلاط، ويتغنى بالسلطات الرسمية مغدقاً عليها كل آيات الثناء والتمجيد، وقد استطاع بوشكين بذكاء وحيلة التقرب من القيصر بالرغم من انتقاده له ولسياسته، ونتيجة لهذه العلاقة وجهت لبوشكين تهمة الخيانة. 

بعد سلسلة من العلاقات المتعددة والمضطربة، فكر بوشكين في الزواج، معتبراً أن ذلك سيكون سبيله الأوحد للوصول إلى السعادة المطلقة، وفي هذه الفترة خفق قلبه لحسناء روسية من موسكو، تدعى ناتاليا كونتشاروفا، لم تكن قد تجاوزت العشرين من عمرها بعد، ورغم العراقيل التي حاولت والدة ناتاليا وضعها أمامه، إلا أنه تزوج من ناتاليا عام 1831، وبعد إقامة قصيرة في موسكو، قرر الزوجان الانتقال إلى سان بطرسبرغ.

لم يكتف ألكسندر في هذه الفترة بالشعر فقط، فقد كتب أيضاً في الرواية والمسرح، ونشرت له كذلك مقالات صحفية، لكنه لم يحظ أبداً بالاستقرار المنشود، فقد تعددت المشاكل من جانب عائلته وعائلة زوجته، الزوجة التي أنجبت 4 أطفال، دون أن يدفعها ذلك إلى الاعتناء بشؤون الأسرة، مفضلة حياة السهر والبذخ والحفلات التي أثقلت كاهل بوشكين.

في إحدى هذه الحفلات، وقعت ناتاليا تحت تأثير ضابط فرنسي شاب من الألزاس، يدعى جورج دانتيس، وتعددت الاتصالات بينهما، وبطريقة ساهمت في سريان همهمات وشائعات حول وجود علاقة سرية بينهما، فحاول ألكسندر الانتقام لشرفه بدعوة دانتيس إلى مبارزة بينهما، لكن هذا الأخير سرعان ما دافع عن نفسه قائلا بأنه كان ينوي التقرب من شقيقة ناتاليا، التي تزوج منها بالفعل بعد مدة قصيرة.

لم يكن هذا الزواج كافيا لإيقاف محاولات دانتيس، فتكررت محاولاته للتقرب من ناتاليا ومراسلتها، ويبدو أنها كانت مستمتعة بالوضع ولم تبد أية مقاومة أو تمنع، ورغم مراسلة بوشكين لوالد دانتيس مطالبا إياه بكبح جماح مغامرات ابنه، إلا أن مبارزة الشرف كانت واقعاً قادماً لا مفر منه.

 1837: تبارز الغريمان بالقرب من نهر تشيرنايا في سان بطرسبرغ، فأصيب ألكسندر بوشكين برصاصة في بطنه، كانت كافية لقتله بعد يومين. هرب دانتيس من روسيا برفقة زوجته، أما ناتاليا لم تمض سنوات قليلة حتى تزوجت من نبيل روسي وأنجبت منه ثلاثة أبناء.

مات ألكسندر بوشكين إذن في قمة مجده الأدبي، رغم أنه لم يبلغ الأربعين من عمره، فقد أجمع النقاد على عبقرية لغته وذائقته الشعرية، وأيضاً إعادته الاعتبار للغة الروسية التي خضعت في تلك الفترة لسطوة نظيرتها الفرنسية، وما زالت أعماله تحظى بشهرة عالية في جميع أنحاء العالم (أشهرها ابنة الضابط ويفغيني أونيغين وأسير القفقاس وغيرها)، كما حولته ظروف موته الدرامية إلى أسطورة روسية تتغنى بها الأجيال إلى يومنا هذا. أسطورة شعرية قضت عليها امرأة.

كتب روايته الشعرية الشهيرة "الغجر"، والتي ظل عاكفاً عليها لمدة سنتين، وكتب قصة "الأمية القائدة"، والرواية الشعرية "الفارس النحاسي" التي استوحاها من تمثال بطرس الأكبر، القائد بساحة مجلس الشيوخ في بطرسبورج .

وتعد رواية "دوبرفسكي"، التي تحكي عن شاب هارب من إحدى طبقات النبلاء، أعظم ما كتب في تاريخ الأدب الروسي؛ فمن خلالها رسم بوشكين صورة للحياة الروسية في بداية القرن التاسع عشر، وما كان سائداً من استبداد النبلاء. 

وأما رواية "أوجين" أو "نيجين" فتعتبر أول رواية شعرية واقعية في تاريخ الأدب الروسي، وقد حصلت على لقب "موسوعة الحياة الروسية". 

 

تميزت كتاباته بالواقعية؛ فكان أول من دعا إلى المذهب الواقعي في الأدب الروسي.

أخبار ذات صلة

Which form of secularism applies to Syria of tomorrow >>

جبال تنطق بالآرامية >>

الاندماج داخل المجتمعات الغربية لا يعني الانصهار أو ضياع الهوية الثقافية بل ضرورة للتعايش المشترك >>

أهمية الرواية السياسية >>

"روبسبيير" الطاغية وإرهاب الثورة..! >>

أهم الأخبار
الحريري يعلن اقرار الموازنة في مجلس النواب >>
إيران تحتجز ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز >>
ماذا حقق العسكريون المتقاعدون من مطالبهم حتى اوقفوا تحركهم؟ >>
بري لا أحد يقتحم المجلس إلا إرادة الله >>
حزب الله يرغم الموسوي على الاستقالة >>