وقف الإنفاق على غير الرواتب والأجور بين الحث على نشر القانون والحرص على انتظام المالية العامة
 
مقالاتنا | المصدر :اينوما - الكاتب :غسان بيضون 2019-03-23
بعد العودة للالتزام بالأصول الدستورية في إقرار قانوني موازنة 2017 و2018، ونجاح وزارة المالية في إعادة الانتظام إلى المالية العامة، من خلال إعادة تكوين الحسابات المالية المدققة حتى سنة 2015 تنفيذاً للمادة 65 من قانون موازنة العام 2017، رقم 66/2017.

وفيما لم تكد المالية العامة تخرج من فوضى الإنفاق المخالف للدستور والقانون، بعد وضع قضية الـ 11مليار والتصرف بغيرها من المبالغ المجهولة المآل والمصير في إطارها الواقعي والموضوعي والقانوني الصحيح، وإحالة ملف الإبراء المستحيل مع مشاريع قوانين قطع الحساب عن السنوات التي لم تقر فيها، إلى المراجع الدستورية والقانونية المختصة للبت به، عادت غيوم  الأزمة الماضية وظروفها  لتتشكل مجدداً وتعيق إقرار مشروع  قانون موازنة العامة للعام 2019.
اعتباراً من 22/5/2018، دخلت الحكومة السابقة في مرحلة تصريف العمال ، وتأخر تشكيل الحكومة إلى 30/1/2019، بحيث تعذر على وزارة المالية إرسال مشروع موازنة العام 2019 إلى مجلس الوزراء قبل أول أيلول 2018، وفقاً لأحكام  المادة 17 من قانون المحاسبة العمومية، وتعذر بالتالي إقرار مشروع الموازنة هذا في مجلس الوزراء، في صيغته النهائية، فلم يسلك سبيل إيداعه السلطة التشريعية ضمن المهلة المحددة في الدستور، وفقاً لأحكام المادة 18 من قانون المحاسبة العمومية.
بالنتيجة، دخلنا في سنة 2019 المالية دون إقرار موازنتها، وخلال كانون الثاني الماضي جرى تطبيق قاعدة الموازنة الاثنتي عشرية، المنصوص عليها في المادة 86 من الدستور. وخلال الجلسة التشريعية المنعقدة بين 6 و 7 آذار 2019، أقر مجلس النواب اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي الى الاجازة للحكومة اعتماد القاعدة الاثني عشرية لغاية 31 ايار، على ان تلتزم الحكومة عند تنفيذ الصرف على اساس القاعدة بتخفيض نسبة 1 بالمئة من العجز بالنسبة للناتج المحلي كما ورد في  البيان الوزاري للحكومة؛ إلا أن القانون لم ينشر بعد.
في ظل هذا الواقع وغياب التغطية الشرعية للإنفاق المتمثلة بقانون موازنة سنوية عادية أو على أساس القاعدة الإثنتي عشرية كان لا بد من تدبير يوفق بين مقتضى توفير تغطية مشروعة للإنفاق والحث على نشر القانون وضرورة الحفاظ على ما تحقق بنتيجة العودة المالية العامة إلى الانتظام  والحرص على تأمين المصلحة العامة، صدرت تعليمات وزير المالية بوقف حجز الاعتمادات كلياً لمختلف أنواع الإنفاق باستثناء الرواتب والأجور وتعويض النقل المؤقت. 

ولتقييم هذا التدبير وجلاء خلفياته ووضعه في إطار واقع لظروف التي أنتجته، نعرض في ما يلي النصوص والوقائع التي يمكن أن تساهم في تحقيق هذه الغاية:
في أصول الإنفاق ومراقبة حساباته:
توجب المادة 87 من الدستور عرض حسابات الادارة المالية النهائية لكل سنة على المجلس النيابي ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة، على أن يوضع قانون خاص لتشكيل "ديوان المحاسبات."  وقد أنشيء ديوان المحاسبة وجرى تنظيمه وأولي مهمة الرقابة حسابات الأموال العمومية واستعمال هذه الأموال، ومدى انطباق هذا الاستعمال على القوانين والأنظمة المرعية، وذلك من خلال حسابات مهمة المحتسبين وحساب المهمة العام وقطع حساب الموازنة الذي تعده مديرية المحاسبة العامة في وزارة المالية. وقد نصت المادة 25 من قانون المحاسبة العمومية على أن يجري التصديق على هذه الحسابات بموجب قانون قطع الحساب الذي يبت نهائياً بالنتيجة التي اقترن بها تنفيذ موازنة الدولة.
      في نشوء أزمة عدم انتظام المالية العامة ومعالجتها:
اعتباراً من العام 1980، انقطعت أجهزة وزارة المالية عن إعداد حسابات المالية العامة السنوية. واستمرت كذلك حتى العام 1995، حيث صدر أول قانون لقطع حساب الموازنة العامة بعد الأحداث. وقد نص على صرف النظر نهائياً عن إعداد حسابات السنوات 1990 وما قبل. وقد تلاه إعفاء شمل حسابات 1991
و 1992.  وبسبب بسبب عدم توفر أرصدة الحسابات المفترض أن تنتهي اليها الحسابات السنوية، لو تم إعدادها تسلسلاً، اعتباراً من 1980وصولاً إلى  العام 1992، فقد تعذر إعداد حسابات المالية العامة ونتائجها لفترة طويلة، وتعذرت بالتالي ممارسة ديوان المحاسبة رقابته المؤخرة على هذه الحسابات في مواعيدها وضمن المهل القانونية. وقد أعاق ذلك صدور قوانين الموازنة العامة اعتباراً من العام 2006،  وكان أن جرى الإنفاق خلال السنوات التالية بطرق مخالفة للدستور وللقانون، عن طريق تنفيذ "مشاريع الموازنات"، أو "سلف الخزينة".
اعتباراً من 2014، عادت الأمور إلى الانتظام  عن طريق فتح اعتمادات إضافة بموجب قوانين، ومن ثم بصدور قانون موازنة للعام 2017 ومن بعده قانون موازنة 2018.
الحاجة إلى تدبير "أفضل الممكن"
عطفاً على ما ورد اعلاه حول دخول الحكومة السابقة في مرحلة تصريف العمال، وتأخر تشكيل الحكومة إلى 30/1/2019، وتعذر سلوك مشروع موازنة 2019 سبيل إيداعه السلطة التشريعية لإقراره قبل الدخول في سنة 2019 المالية دون إقرار موازنتها، بحيث جرى تطبيق قاعدة الموازنة الاثنتي عشرية، خلال الشهر الأول من السنة، ومن بعده إقرار مجلس النواب اقتراح القانون الرامي الى الاجازة للحكومة اعتماد القاعدة الاثني عشرية لغاية 31 ايار.
وباعتبار الرواتب والأجور من النفقات الدائمة التي تقضي المصلحة العامة باستمرارها وتجيز المادة  59 من قانون المحاسبة العمومية عقدها، اعتباراً من أول تشرين الأول من كل سنة، على حساب السنة التالية، وذلك ضمن حدود الاعتمادات المرصدة لها في موازنة السنة الجارية، وكذلك تجيز عقد هذه الفئة من النفقات بعد بدء السنة الجديدة وخلال الفترة التي تسبق نشر الموازنة، وذلك ضمن حدود الاعتمادات المرصدة لها في موازنة السنة السابقة.
وبعد الإشارة إلى المادة 51 من الدستور التي تنص على أن يصدر رئيس الجمهورية القوانين وفق المهل المحددة في الدستور بعد أن يكون وافق عليها المجلس، ويطلب نشرها، وليس له أن يدخل تعديلا عليها أو أن يعفي أحدا بالتقيد بأحكامها.
وبانتظار نشر القانون المتعلق بالإجازة للحكومة اعتماد القاعدة الاثني عشرية، المفترض أن لا يتجاوز تأخره أياماً معدودة، في ضوء نتائج الفوضى التي ترتبت عن خروج الإنفاق الحكومي عن الأصول الدستورية والقانونية، وأدت إلى ما أدت إليه من فوضى في غياب قوانين الموازنة العامة وتأخر إعداد حساباتها وتعذر ممارسة الرقابة عليها والبت بها لسنوات،
وفي ظل إلحاح الحاجة لضبط نفقات الدولة وتعقيدات ظروفها، وجه وزير المالية الكتاب رقم 1331 تاريخ 22/3/2019، إلى "مديرية الموازنة ومراقبة النفقات" لإبلاغ جميع مراقبي عقد النفقات بوقف حجز الاعتمادات كلياً لمختلف أنواع الإنفاق باستثناء الرواتب والأجور وتعويض النقل المؤقت اعتباراً من تاريخه ولحين إبلاغ تعليمات أخرى، ليطرح التساؤل حول أوجه الإنفاق الضرورية الأخرى.
بناءً عليه وباعتباره تدبيراً مؤقتاً ولفترة محدودة، انطلاقاً من المادة 59 من قانون المحاسبة العمومية، التي تجيز عقد النفقات الدائمة التي تقضي المصلحة العامة باستمرارها، خلال الفترة التي تسبق نشر الموازنة بعد بدء السنة الجديدة، وذلك ضمن حدود الاعتمادات المرصدة لها في موازنة السنة السابقة، وكذلك إمكانية  إجراء معاملات التصفية والصرف والدفع خلال السنة المالية المختصة.
يمكن وضع قرار وزير المالية بوقف الإنفاق على غير الرواتب والأجور في إطار أفضل التدابير المؤقتة الممكنة، بحيث يتقاطع فيه الحث على نشر القانون مع الحرص على المصلحة العامة والحفاظ على انتظام المالية العامة،  والدعوة لتجنب تجدد أزمة لم يتأكد الخروج منها بسلام بعد.  

أخبار ذات صلة

قرار لوزير المالية... إليكم مضمونه >>

حسن خليل: جلسة الجمعة نهائية >>

توضيح من “المال” عن تعويضات العسكريين المتقاعدين >>

اجتماع بين حسن خليل وباسيل... والأجواء "إيجابية" >>

حسن خليل لـ "الجمهورية": إنجاز الموازنة ضمن المهلة الدستورية يعطي إشارة إيجابية >>

أهم الأخبار
بطل جل الديب كان يدافع عن نفسه؟! >>
العماد جوزيف عون في جولة على الوحدات >>
خامنئي مصر على الزيادة في سعر المحروقات >>
إصرار على اعادة تكليفه فهل يقبل؟ >>
الأزمة الحكومية تعود الى نقطة الصفر >>